رحيل سادن القصر الكبير:

منذ 5 ساعات


الدكتور : عبد السلام دخان

غاب عن حي السويقة، وعن أزقة مدينة القصر الكبير، أثرُ خطى الأديب الشريف مصطفى الطريبق(1944-2026)، المثقف الأصيل الذي عاش للكلمة، وأخلص للأدب، وجعل من الإبداع مسارا إنسانيا متجددا. وبرحيله تفقد المدينة واحدا من وجوهها الأدبية الأكثر ارتباطا بتاريخها وفضائها العمراني، ومن الأصوات التي واكبت تحولات مشهدها الثقافي وأسهمت في صون هويتها الأدبية والجمالية. ينتمي صاحب “سنابل وأعاصير” إلى أسرة شريفة عُرفت بمحبتها للعلم والأدب، فكان امتدادا لسلالة احتفت باللغة العربية وأبدعت في مجالات تعبيرية متعددة. وقد انجذب الراحل منذ سنواته المبكرة إلى الشعر العمودي، فصاغ تجربته داخل أفق شعري احتفى بجماليات الصورة، واستعاد ثراء العبارة العربية، وأقام حوارا متواصلا مع الذاكرة الشعرية العربية في امتداداتها المعجمية والبلاغية والإيقاعية. وظلت القصيدة لديه تعبيرا عن حساسية إنسانية تستعيد الصلة بالذاكرة، وتمنح الحاضر أفقا من المعنى والحضور. ويعد مصطفى الشريف الطريبق من الأسماء الثقافية البارزة بمدينة القصر الكبير وإقليم العرائش، إذ جمع في مساره بين العمل التربوي والإداري، والإبداع الشعري والأدبي، والبحث في التاريخ المحلي، والانخراط الفاعل في العمل الجمعوي والثقافي. وقد أسهم من خلال هذا التعدد في ترسيخ صورة المثقف الذي يجعل من المعرفة والأدب والثقافة مجالات متكاملة للإنتاج الفكري وخدمة الشأن الثقافي. زاوج الراحل بين ممارسة التدريس وتحمل المسؤوليات الإدارية، وبين الانشغال بالإبداع والكتابة، فنسج تجربة ثقافية امتدت عبر الشعر والقصة والمسرح والدراسات الأدبية والتاريخية، وظل وفيا لقضايا مدينته وذاكرتها الرمزية، مشاركا في مختلف المبادرات التي أسهمت في تنشيط الحياة الثقافية بالقصر الكبير، ومؤمنا بالدور الذي تؤديه الثقافة في حفظ الذاكرة الجماعية وتعزيز الوعي بقيم الجمال والمعرفة. واتسعت تجربته الإبداعية لتشمل القصة والمسرح والنقد الأدبي، فقدم نموذجا للمثقف الذي اختار الإقامة داخل أجناس أدبية متعددة، مدفوعا بإيمان عميق بأن الأدب تجربة كلية تتفاعل فيها أشكال الكتابة، وتتجاور داخلها الأسئلة الجمالية والإنسانية. كما كتب في مجال النقد الأدبي بوعي المبدع العارف بأسرار النصوص وخفايا بنائها، وبخبرة المتابع لطرائق تشكلها ومسارات إنتاج دلالاتها. كان الشريف مصطفى الطريبق من الرجال الذين ينسجون حضورهم بإرادة المعرفة، ويتركون أثرهم في النفوس من غير ادعاء. وظل اسمه مرتبطا بمدينة القصر الكبير حتى غدا جزءا من ذاكرتها الحية، ووجها من وجوهها الثقافية التي ألفتها المدينة في مواسم الشعر واللقاءات الأدبية. وفي جلساته بالنادي المغربي، وبين أصدقائه ورفاقه، كان الأدب يتحول إلى معهود يومي، وإلى فضاء مفتوح لسجالات أدبية وتأويلات متجددة حول عمود الشعر العربي، وقضايا اللفظ والمعنى، وأسئلة الأدب العربي في امتداداته القديمة والحديثة. عاش الراحل في هيئة أديب ملتزم أخلاقيا وجماليا، وآمن بأن الثقافة ذاكرة تحفظ للأمكنة وهجها، وتمنح الإنسان إمكانية الاستمرار في وجدان الآخرين. ومن هذا المنظور، ارتبط حضوره بالدفاع عن الخصوصية الثقافية لمدينة القصر الكبير، ومواكبة تجاربها الشعرية، والإسهام في تنشيط حركيتها الأدبية، والمشاركة في المبادرات التي جعلت من المدينة فضاء للإبداع والحوار والتثاقف. واليوم تبدو القصر الكبير مختلفة وهي تودع واحدا من أبنائها البررة. تودع مثقف اختار أن يترك أثره في منجز إبداعي متنوع، وأن يجعل من الكتابة اسلوب عيش. وسيبقى واحدا من الأصوات التي منحت للكلمة وقارها، وللثقافة معناها الإنساني، وللمدينة جانبا من إشعاعها الرمزي. وستظل كتاباته شاهدة على حضور يواصل مقاومة الغياب، وعلى تجربة أدبية وإنسانية ستبقى جزءا من الذاكرة الثقافية للقصر الكبير.
رحم الله الشريف مصطفى الطريبق رحمة واسعة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading