
إهداء إلى كل ساكنة القصر الكبير”
الدكتور : عزيز الهلالي
إضاءة : الصورة الطفلة رميساء القاسمي ،ولدت بطنجة اثناء الترحيل
كنت أستمع إلى شهادة الأستاذة مليكة التومي وهي تحكي، بنبرة يثقلها الحزن، عن لحظتين تداخل فيهما حدثان مؤلمان: مخاض ولادة، واجتياح الماء للمستشفى. وكانت السيدة (س) نقطة التقاء هذا التداخل المرعب.
وحين ارتفع منسوب الماء في أروقة المستشفى، علا الصراخ على جدران غرف المرضى، وارتبكت الخطى بين الممرات الضيقة، في تلك اللحظة الفاصلة، كادت روح السيدة (س) أن تزهق قبل أن يولد وليدها. حملها الماء كجسدٍ خفيف فوق سطحه نحو المجهول، إلى أن احتضنتها أياد بيضاء من أبناء المدينة، فانتشلتها من بين الخوف والماء.
كان الحكي يتشعب في مسارات من الحزن، قبل أن يستقر في النهاية على مشاهد أكثر إشراقا. وكنتُ، وأنا أتابع بشغف تلك المراحل الدرامية من السرد، أرى مخيلتي تعيد بناء الحدث، وتصهره في بلاغة التلقي، ليصل إلى القارئ في صورة أخرى. وهكذا وُلد النص مع ولادة الطفلة رُميساء.
كَبُرت الطفلة قليلا، وفي مساء هادئ كانت تجلس إلى جانب أمها قرب النافذة، نظرت إليها بعينين متسائلتين،
وقد انعقد حاجباها:
— ماما، لماذا وُلدتُ عام الترحيل؟
كان السؤال مهمازا حرّك حزنا ثقيلا في قلبها. قالت بصوت منكسر:
— في ذلك العام رُحِّل سكان المدينة بعدما اجتاح الماء المنازل والأزقة والشوارع.
ظلت الطفلة تنظر إلى وجهها بصمت، بينما الأم كانت تغوص في غياهب الذكريات تستعيد أحداثا موجعة، ثم قالت ببراءة عفوية:
— وهل يكره الماء الناس يا أمي؟ لماذا أخذ بيوتنا وترك السماء صافية؟
ارتجف شيء في عيني الأم، ومسحت على شعر ابنتها كأنها تمسح عن قلبها غبار تلك الأيام.
— لا يا صغيرتي، الماء لا يكره أحدا، لكنه حين يغضب، لا يعرف كيف يختار.
تأملت الطفلة كفّ أمها المستقرة على كتفها، ثم سألت:
— وهل كنتِ خائفة حين وُلدتُ؟
ابتسمت الأم ابتسامةً واهنة امتزج فيها الحزن بالامتنان، وقالت:
— كنت خائفة… لكنني كنت أكثر أملاً. حين سمعت بكاءك أول مرة، شعرت أن المدينة لم تُهزم. كأن صوتك كان يقول لنا إن الحياة ما زالت تجد طريقها، حتى وسط الماء.
عزيز الهلالي