القصر الكبير في مرآة الفيضان”سلسلة رمضانية الحلقة 24 : حين ساحت دمعة اللوكوس في شوارع المدينة الشاعر : سعيد السوقايلي

منذ ساعتين
Oplus_131072

الشاعر : سعيد السوقايلي
إضاءة :(يحل على سلسلتي الشاعر سعيد السوقايلي، القادم من ماء الشعر ومن انتمائه العميق إلى مدينة آسفي، حاملاً صوته الشعري الذي يتغذى من الذاكرة والإنسان والمكان. تعرفت عليه بمدينة القصر الكبير التي تربطه بها أيضا علاقة أسرية جعلت حضوره فيها أقرب إلى عودةٍ إلى جزء من الذات. وحين حاصرته بطلب نص يشارك به قراءنا، لم يتردد، بل منحني نصا يفيض بروح الشاعر الذي يعرف كيف يحول العابر إلى معنى، واللحظة إلى أثر شعري باقٍ)
لم يكن مطراً ما حدث.. كانت السماءُ تبحثُ عن مرآةٍ بحجمِ قلقها، فلم تجد سوى “القصر الكبير” لتسكبَ فيه زرقتَها الداكنة، حتى استحالَ الأديمُ سقفاً سائلاً.
والماءُ ليس ماءً، بل ممحاة عملاقة، تمسحَ الخطوطَ الفاصلةَ بين العتبةِ والرصيف، بين اليقينِ والهشاشة. في تلك الليلة، قرر “اللوكوس” أن يعود لعتبته القديمة، معلنا أن المدينةَ محضُ استعارةٍ مؤقتةٍ ينوء بها على ظهرِه.
رأيتُ الماءَ لصاً محترفاً يلبس الطين، يسرقُ الجهات الأربعة، وكلُ الاتجاهاتِ غرقى. الأثاثُ الذي كان يحملُ أسرارَ البيوت، صارَ زوارقَ تائهةً في أزقةٍ تحولت إلى أوردةٍ مفتوحة.
صورُ الجدّاتِ المعلقةُ على الجدران، تسبحُ في برزخِ الطين، تبحثُ عن تاريخٍ جفَّ حبرُه.
يا قصرنا الكبير… كيف صارت النوافذُ تطلُ على قاعِ النهرِ بدل الشارع؟ وكيف صارَ المشيُ غرقا؟ وكيف باتت المدينةَ تطفو كزورقٍ ورقيٍ، يختبر قانونِ الطفو..؟
الماءُ ليس بريئاً كما تدّعي الزُرقة… الماءُ ذاكرةٌ تسيل، تاريخٌ ينكر اليَباسَ، هو سيّدُ التشكلِ، وحاملُ التناقضِ في قطرة.
في البدءِ كان حياةً، يُرضعُ الحقولَ من ثديِ الغيمِ، لكنهُ حين ضاق بجلدِهِ.. ثار.
اسألوا اللوكوس.. كيف يصيرُ العناقُ اختناقاً؟ وكيف يتحولُ الشريانُ الذي يغذي المدينةَ إلى حبلٍ يلتفُّ حولَ خاصرةِ القصر الكبير.
لم يكن ماءً فحسب.. كان الزمنَ حينَ فاضَ عن وعائِهِ، دخلَ البيوتَ بلا استئذانٍ، كضيفٍ ثقيلِ الظل، لم يطرقِ الأبوابَ، بل تسللَ من شقوقِ الحكايا، ليغسلَ وجهَ المدينةِ بالطينِ لا بالضوء.
في القصرِ الكبير.. صارَ الشارعُ نهراً يتلوا آياتِ الغرق، وصارت الجدرانُ تقرأُ سورةَ الصمود. هناكَ، أدركَ الناسُ أن الماءَ وحشٌ نائم، وأن النهرَ قد ينسى مودةَ الضفافِ إذا غضب، فيكتبُ قصيدتَهُ الموحلةَ فوقَ دفاترِ الأرصفة.
يا أيها الماء.. يا سرَّ الحياةِ وسرَّ الفناء، كيفَ تكونُ دمعةً في عينِ طفلٍ، وطوفاناً في قلبِ مدينة؟ هكذا هو الماء، يمنحُنا القمحَ بيدٍ، ويسرقُ منا الطمأنينةَ بيد، تاركاً في “القصرِ” وشماً من رطوبةٍ.. وذكرى لا تجف.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading