
ذ. عزيز الطويل
في الحلقات السابقة، اعتدت أن أخصص رسائل اعتراف ومحبة وتقدير لأساتذة أجلاء تتلمذت على أيديهم، وظلت أسماؤهم موشومة على جدران الذاكرة، عصية على النسيان، حاضرة في وجداننا رغم تعاقب السنوات وتبدل أحوال الحياة. واليوم، أقف عند اسم أستاذ جليل، هو الأستاذ مصطفى يعلى، أستاذ النقد الأدبي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل بالقنيطرة.
لكن شهادتي في حق هذا الأستاذ ليست شهادة فردية فحسب، بل هي شهادة مزدوجة، تجمعني بزوجتي؛ فقد كنا، قبل أكثر من ثلاثة عقود، طالبين يجمعنا مدرج الجامعة، ننصت إلى محاضراته، وننهل من علمه ومعارفه في مجال النقد والأدب. يومها لم نكن نعلم أن الزمن سيحملنا من مقاعد الطلبة إلى حياة مشتركة، وأننا سنعود اليوم، بعد كل هذه السنوات، لنستحضر معاً أستاذاً لم تستطع المسافة الزمنية أن تمحو أثره من ذاكرتنا.
ما زلت أستحضر هدوء الأستاذ مصطفى يعلى، ورزانته، ورصانته العلمية، وهو يلقي محاضراته. كان يبدو وكأنه ينقطع عن صخب العالم المحيط به، ليأخذ طلبته إلى عوالم المعرفة والتأمل والتحليل. لم يكن يحتاج إلى رفع صوته أو المبالغة في الحركة حتى يشد انتباهنا؛ فقد كان للهدوء في حضرته هيبة، وللكلمة العلمية وزنها، وللمعرفة سحرها الخاص. كانت حصته تمر في أجواء من السكينة والإنصات، لكن فوائدها كانت تمتد إلى ما وراء زمن المحاضرة، وتظل عالقة في الأذهان.
لقد كان الأستاذ المصطفى يعلى، بالنسبة إلينا، أكثر من أستاذ يقدم دروساً في النقد الأدبي؛ كان نموذجاً للمثقف والعالم الذي يجمع بين عمق المعرفة والتواضع، وبين التمكن العلمي والإنسانية في التعامل مع طلبته. ومن جميل ما تحتفظ به الذاكرة الجامعية أن بعض الأساتذة لا يعلموننا فقط كيف نقرأ النصوص ونفككها ونمارس النقد، بل يتركون فينا شيئاً من أخلاق المعرفة، ومن قيمة الإنصات، ومن احترام الفكر والاختلاف.
واليوم، وأنا وزوجتي نستعيد تلك اللحظات، ندرك أن المسافة بين مدرج الجامعة بالأمس وحياتنا اليوم لم تستطع أن تنتزع منا امتناناً قديماً. لقد تغيرت مواقعنا، وتبدلت أدوارنا، ولم نعد ذلك الطالبين اللذين يجلسان في المدرج، لكن شيئاً واحداً ظل ثابتاً: تقديرنا لأستاذنا واعترافنا بفضله.
إلى الأستاذ مصطفى يعلى، باسمي وباسم زوجتي، نتقدم بأسمى عبارات المحبة والتقدير والامتنان. شكراً لأنكم كنتم جزءاً من ذاكرتنا الجامعية، وشكراً لما منحتمونا من علم ومعرفة، ولما تركتموه في نفوسنا من أثر طيب.
فهناك أساتذة تنتهي حصصهم بانتهاء الموسم الجامعي، وهناك أساتذة لا تنتهي دروسهم بانتهاء المحاضرات، لأنهم يظلون يسكنون ذاكرة من تتلمذوا على أيديهم.
الأستاذ مصطفى يعلى، أنتم من هؤلاء الذين لا تنساهم الذاكرة، ولا يبهت أثرهم بمرور الزمن.
لكم منا كل التقدير والوفاء.