ما لم أُدركه إلا متأخرًا”

27 أكتوبر 2026
Oplus_131072

ذ. سعيد أولاد الصغير

في بيتنا، كانت المحافظ تُورَّث أكثر ممّا تُشترى؛ كانت تنتقل مِن أخ إلى أخ، تُغسل وتُرقَّع، وتَحتفظ برائحة من سبق.
كانت المدرسة تُلزمنا بشراء ورقة يانصيب بدرهم، لكنّ أبي كان يرفض، عن قناعة منه، ولأن كثرة أبنائه كانت تجعل لكلّ درهم حسابه. وكنتُ أنكمش في صمتي، كأنّ عليَّ أن أعتذر عن عجزٍ لم يكن ذنبي، ويثقلني الحرج كلّما نادى المعلّم: « مَن منكم لَم يُحضر الدرهم؟ ».
مرّت السّنوات، وصرتُ معلمًا. غابت ورقة اليانصيب عن ذاكرتي، وتراكمت أوراق الدّروس في محفظتي؛ وانفتحت بصيرتي على حقيقـةٍ: أنّ بعض أوجاع التلاميذ يصنعها النّصيب؛ فقـد يجرحهم سؤال عابر عن مهنة الأب، أو يُطلب منهم أن يكتبوا عن هديّـة لم يتلقّـوها، أو رحلة لم يعرفوا معناهـا.
قد يكون بين التلاميذ يتيمٌ، أو طفلٌ أبوه في السجن، أو آخرُ يخشى أن تكون مهنة أبيه مادةً للسخرية. وقد لا ينتبـه المعلّم إلى أنّ سؤالًا عاديًّا في نظره قد يوقظ في نفس أحدهم وجعًـا لا يراه.
اليوم، نسيتُ كثيرًا من الدروس؛ لكنّني ما زلتُ ذلك الطفل الذي أحرجه الدّرهم، وكاد نصيبُه يضيعُ مع اليانصيب!
ـــــــــــــــــــــــــــ

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading