أربعون يوما على الرحيل ووجع لا ينتهي : في الذكرى الأربعينية لرحيل زوجتي، ولأولئك الذين لم يعرفوها كما عرفتها…

منذ ساعتين

بقلم : ذ . محمد القجيري
عند رحيل شريك الحياة لملاقاة ربه … في حينها، ومن هول الصدمة، لا تفهم، لا تستوعب ما يحدث، لا تدري إن كنت في حلم إلى زوال أم هو مجرد فيلم تمر أحداثه أمام عينيك الشاخصتين لينقضي بعد تسعين دقيقة، لأنك وبكل بساطة لا تدرك ما هو قادم إليك من حزن، من ألم، ومن جراح لا يستطيع بشر تصورها أو وصفها. الفقد، فقد الأحبة أقوى وأثقل وأشد وطئا على القلب من أن يوصف. تودعه وأنت فاقد للفهم ولاستيعاب المكان والزمان… يوارى الثرى، ينزل بأمر طارىء من خالقه ليستريح من ظلم وأدى بشر قساة، فارغة قلوبهم من الرحمة والشفقة. وأنت… أما أنت، فيكون لك موعد مع الدموع والحسرة، إنها البداية، مجرد بداية مشوار طويل من الشجن والحنين والذكريات والندم، وصور تتفقدها مخزنة في هاتفك أو ألبومك، تذكرك بأماكن مررتما منها أنتما الاثنين، فتلتفت إلى جنبيك محاولا سؤاله: “هل تتذكر هذا المكان في ذلك اليوم المشرق الصحو، أو الممطر البارد… تلتفت يمينا ثم شمالا، ثم لا تجد سوى نفسك مكلوما مذبوحا من هول الفقد… تنام على مضض راجيا جرعة نسيان بعد رحلة طواف لا تنتهي في جنبات البيت الجريح الكئيب الخاوي على عروشه، تدخل المطبخ لعلك تجده هناك يعد وجبة ليلية خفيفة من ذوقه، ولا من خبر. لتستيقض في اليوم الموالي فقط لتقول ليتني ما استيقضت، تفتح عينيك فقط لتجد شبح الحزن واقفا مترصدا لك بدلا من حبيب كان يوقضك باسما بشوشا بعد أن أعد فطورا متواضعا سعيدا.
موعدك مع العذاب قد بدأ للتو. تعاود الطواف في أركان البيت، تتفقد ملابسه، أشيائه الصغيرة، من مشط أو عطر… أمورا صغيرة… تتلمسها وقلبك ينفطر، يتمزق، يحترق من شدة الألم، أنفاسك تنقطع، جبل من الضنى ينهال عليك كلما لمحت عيناك شيئا كان له بالأمس، أو رداءا كان يرتديه بالأمس، أي آنية في المطبخ، أي قطعة في البيت تذكرك بجرحك الذي لا ينوي الإندمال قريبا، تحاول أخد دش خفيف لغسل آلامك ودموعك، فيضيق بك المكان، تلتقط فوطة معلقة بسرعة، دون إكمال اغتسالك، فتهرول خارجا لتلتقط أنفاسك… أما الصور، صوره، صوركما معا، فذلك فصل آخر من فصول لا يمكن وصف سطورها ولا صفحاتها، لأن يداك لا تستطيع لمسها لتتفقدها، فتقرر تأجيل الخوض في ذلك الفصل المرعب، فقط لأجل غير مسمى. ثم تنهمر دموعك بعد أن تيقنت أخيرا أنك أصبحت من الآن فصاعدا وحيدا.
أما أنتم اللذين لم تعرفوا زوجتي كما عرفتها، لن أنسى أبدا أنها كلما كانت تطلب مني مبلغا بسيطا من المال لتشتري رداءا او حاجة من حوائج الحياة البسيطة، أعود للبيت مساءا لأجدها اشترت لي أشياء كنت في حاجة لها عوض أن تتسوق لنفسها، كنت أستشيط غضبا وأقول لها: “لماذا تصرين على عنادك هذا؟”. فتجيبني: “لا تنس أنك لم تتخلف يوما عن شراء الدواء الذي أحتاجه لأستمر في الحياة، ولا موعدي مع الطبيب النفسي… وإن لم تجد، كنت تقترض أو تبيع هاتفك خشية أن تسوء حالتي”
لمن لم يعرف زوجتي كما عرفتها، فقد تربت تربية الأميرات بسيارات فارهة يقودها سائق مأجور، قبل تتقاذفها أمواج الظروف القاسية ثم تعصف بها قسوة مجتمع ظالم لايرحم، ولا يقدر معنى أن تكون من المرضى النفسيين، بعدما دفعتها الظروف والمرض للعودة من الديار الإسپانية إلى هذا المارستان المفتوح ومحمية الوحوش هذه، فوجدت نفسها خارج بيت والدها، بوفاة الأم التي كانت تعطف عليها… حتى يجربوا، ويعاشروهم داخل بيوتهم.
إلى من لم يعرفوا زوجتي كما عرفتها، احذروا وحاذروا و عاملوا أحياكم بطيبة ماداموا بينكم يرزقون، فمهما عاملتموهم بخير وبحسن معاشرة والله لتتحسروا ولتتمنوا لو عادوا كما كانوا أحياءا لتعاملوهم بأفضل مما عاملتموهم به، ثم تتملككم الحسرة التي ليس بعدها حسرة، فتذرفون الدموع أنهارا لا تنضب… ووالله مهما كنتم طيبين ولم تقصروا في أمر معهم، لن تتوقفوا عن لوم وإيلام نفسكم وستتمنون الموت للحاق بهم ولن تجدوا له سبيلا…
ستسيرون في شوارع وأزقة النهار، ولا نورا إلا من عتمة، تجرون نعالكم المثقلة بأحزانكم بين الأزقة والمحلات . تلك الأحزان التي كنتم تسمعون عنها فقط، مرحبا بكم تعرفوا على الحزن كما لم تعهدوه من قبل، حزن يطبق على صدوركم حتى لا يتبقى لكم شهيق ولا زفير. ثم تدمنونه وتخافون زواله خشية نسيان ذلك الفقيد.
تكتشفون كم هي قليلة أيام الفرح في حياتكم، ثم تبدأ رحلة الألم المزمن.
بعد رحيلهم، ستدركون أنه أنتم من مات وليس هم.
وداعا إيمان زوجتي الغالية، وداعا أنا.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading