
د. عبد السلام دخان
كان الخريف يصل إلى القصر الكبير قبل موعده. تنزل الأمطار الأولى، ويصعد من الدروب الضيقة عطر الأرض المبتلة. مدينة صغيرة تعرف وجوه الآباء والأبناء، وتحفظ ذاكرة الأسر والأماكن. وكانت البهجة تُدرك من نزهة في حديقة السلام، أو جلسة في ساحة “المرس”، أو قراءة رواية في المكتبة البلدية، أو سهرة غيوانية في حي “سكرينيا” و”دوار العسكر” أو” المرينة”. سينما أسطوريا، وسينما بريس كالدوس، المعروفة بين الناس بسينما السويقة، وسينما المنصور الذهبي؛ أماكن لها سحرها البصري، ارتبطت في ذاكرة الشباب بمواعيد عروض الأفلام. كانت جل الأعمال الحرفية والأنشطة التجارية تنتهي قبل صلاة العصر، وكان الناس يجمعون صلاتَي المغرب والعشاء خوفا من تجدد انقطاع الكهرباء، وفق معهود الحياة في القصر الكبير.
شغلت السينما مكانة محببة في حياة المدينة، وتداول الناس أخبار الأفلام بين المقاهي والدكاكين وورشات الصناع. وكان الشباب يرتادون بكثرة إلى قاعة السينما، يجلس كل واحد منهم في مقعده بأمر من «سي الأمين»، رحمه الله، استعدادا لإطفاء الأضواء وبداية العرض السينمائي. لسينما اسطوريا عشاقها من محبي أفلام الويسترن والأفلام الغربية، أما سينما بريس كالدوس، فوجد شباب الثمانينيات ضالتهم في السينما الهندية، بما تحمله من مغامرات وأحداث درامية مؤثرة، امتزجت فيها الحكايات العاطفية بتوابل الغناء والرقص الهندي، فرديا وجماعيا. فتحت الشاشة أمام الجمهور عوالم اتسعت فيها المغامرة حتى بلغت أقصى حدود الخيال؛ تُختطف البطلة الفاتنة في مجرى الوادي، وتتعالى صرخاتها: «باتشاو، باتشاو!» طلبا للنجدة. يسمعها البطل في أحد أحياء الصفيح بمدينة بومباي، فينطلق كأن البرق يدفعه، ويتسلق قطارا يصبح فجأة مسرعا، ويقطع المسافات حتى يبلغ الوادي. وعلى نحو غير متوقع، يلقي الشرير بالفتاة من أعلى الجبل، فتسقط، بقدرة المخرج وصناع الفيلم، بين ذراعي البطل، وكأن الحكاية تأبى أن تنتهي بالفاجعة. تنطلق الأغنية، تبكي البطلة، وتنساب الدموع في عيون المتفرجين. يشتد الألم لسقوطها، وتنحبس الأنفاس، ثم تنبثق فرحة النجاة. وحين تنتهي الحكاية وتعود الأضواء إلى القاعة، يتبادل الناس التحايا والابتسامات، كأن كل واحد منهم عاد لتوّه من سفر طويل، يحمل معه شيئا من سحر أفلام جعلت المستحيل ممكنا.
كان مساء الخميس موعدا ينتظره كثيرون، لأن الأفلام الجديدة كانت تصل فيه، وتسبقها أخبارها. يتجمع الشباب أمام بوابة السينما، يتبادلون أسماء الممثلين، ويطيلون النظر إلى الملصقات المعلقة على الواجهة. أما أسماء مثل أميتاب باتشان، وميثون تشاكرابورتي، وسريديفي، وأنيل كابور، وميناكشي شيشادري، وجاكي شروف، وساني ديول، ونصر الدين شاه، وسميتا باتيل، فكانت وحدها تكفي لإشعال الحماسة، لأن وجودهم يجعل الفرجة مضمونة، وثمن التذكرة الذي خرج من تعب يوم شاق لن يذهب سدى. ومن ذلك المشهد السينمائي الدرامي المؤثر في فيلم «Sholay»، حيث تتحرك «باسنتي» حافية القدمين فوق شظايا الزجاج الحاد، فتغور في قدميها، ويتصاعد الوجع، ويغدو الرقص محنة جسدية قاسية، لتتحول حركاتها إلى تضحية مؤلمة من أجل إنقاذ حبيبها فيرو. وعلى مسافة خطوات، يراقب الشرير غابار سينغ المشهد بابتسامة متوحشة، مستمتعًا بعذابها، ومستمدا من انكسارها نشوة السيطرة وسلطة الإخضاع. تتصاعد الموسيقى وتشتد نبراتها، فيما تتلوى باسنتي كأفعى على ضفاف نهر الغانج المقدس، وينهش الألم جسدها، وتثقل خطواتها وطأة القهر. تتشابك حركاتها مع الإيقاع، ويغدو جسدها لغة موجعة تكشف ما يعجز اللسان عن قوله. تتجمد الوجوه أمام المشهد، وتنحبس الأنفاس، وتخيم على القاعة رهبة العجز أمام امرأة تُساق إلى أقصى حدود الألم لإنقاذ حبيبها. غير أن حكاية «شولاي» لم تكتمل تلك الليلة؛ فقد انقطعت الكهرباء، كعادتها في الليالي الماطرة.
كانت فتيات المدينة يتواعدن على أمسيات السينما، ويتسللن إلى عوالم الحب التي نسجتها الأفلام المصرية، ومنها «هكذا الأيام». وما إن تخفت الأنوار حتى تشرع الشاشة في البوح بأسرار القلب، فتتعلق العيون بالحكاية، وتسرح الخيالات مع النظرات والهمسات ومواعيد العشاق. بيد أن معهود الحياة في القصر سيتغير في منتصف الثمانينيات، بفعل فترة الجفاف والهجرة القروية الكثيفة نحو المدينة، لكن السينما ظلت تحتضن العامل والتاجر والموظف والشاب العاطل، وتجمعهم تحت ضوء واحد. وعلى نحو تراجيدي، انطفأت الشاشات، وأُغلقت القاعات، وارتفع الإسمنت فوق أمكنة كانت تضج بالحياة. لكن أين مضت الوجوه التي عشقت ضوء السينما؟