من رواية قادمة: طائر الكويتزال البراق

منذ ساعة واحدة


د. حسن اليملاحي

ونحن نغادر عيادة الدكتورة أندريا سوريانو، فكرت في الذهاب إلى سيكور دي كالافيل لتناول وجبة الغداء هناك تكريما لروسيو وقضاء ما تبقى من الظهيرة في هذه المدينة الفاتنة التي أحتفظ لها بكثير من الذكريات التي عشتها هناك. أذكر أني لم أكن وقتذاك متزوجا، كنت حرا طليقا مثل طائر الكويتزال البراق. وأنا أتردد على هذه المدينة – للإقامة في بيت مايتي على متن قطار برشلونة – أجدها تنتظرني بسيارتها الدفع الرباعي في محطة قطارات المدينة. كنت آنذاك في عنفوان الشباب وجميل المحيا وأمتلك مهارة كبيرة وقدرات هائلة على التواصل والإقناع واستمالة من أحببتهن. لقد مرت أيام العز كما تقول أسبيرانسا ونحن نتحدث عن الماضي، نعم مرت مثل البرق وأصبحت مجرد ذكرى من الذكريات التي تثير الحسرة على جمالية من جماليات العمر.
لم يكن من الممكن أن أستقل سيارتي بسبب اختناق حركة المرور التي تعرفها المدينة، ولذلك فضلنا أخذ قطار الفيروكاري من محطة الكلوط أراغو حيث مقر إقامتنا. في ظرف ساعتين إلا ربعا تقريبا وصلنا المدينة. كانت كالافيل ما تزال غارقة في صباحاتها الجميلة، أما البحر فقد كان في كامل سحره ويمارس الغواية على زوار الداخل والخارج. تدهشني الشواطئ الجميلة وتعيد إليّ الهدوء والأمل. هكذا أشعر وأنا أسير على الشاطئ خطوة خطوة.
سرنا بمحاذاة شارع طويل إلى بلغنا قلب المدينة، ومن ثم توجهنا إلى الكورنيش البحري حيث توقف بنا المسير عند شارع لاكوستانيا، وهو فضاء جميل تتمركز فيه الكثير من المطاعم بمختلف الأنواع والألوان. الكثير من عشاق هذه المدينة الهادئة يفرون من المدن المجاورة للاستمتاع بالأجواء الساحرة التي تتميز بها كالافيل، أما في عطلة نهاية الأسبوع فتلك حكاية لا تنتهي إذ يخيل إليك كما لوكنت في بكين . وحيث إنني لم أذق الطبخ الفرنسي مند مدة طويلة، فقد كان من اللازم أن أختار مطعم لامار ديل فونس المتخصص في تقديم وجبات فرنسية لذيدة وشهية، وهو نفس الفضاء الذي كنا نرتاده مايتي وأنا كلما رغبنا في تناول وجبتي الغذاء أو العشاء خارج البيت.
أعترف أننا كنا نؤدي الفاتورة بالتناوب “يوم عليّ ويوم عليك “. مثل هذه الحلول تبدو عادلة ولا تحلق ضررا بأي منا، لكن مع روسيو فالأمر سيكون مختلفا لأنها أم ابنتي، وزد على ذلك فهي كانت وما تزال كثيرة الأيادي معي وهذا جميل لايمكنني نكرانه أبدا.
بعد أن كشفت لنا النادلة عن طاولتنا، جلسنا وجها لوجه. روسيو دائما تفضل هذه الجلسة لأنها – في نظرها- تضمن تواصلا أفضل وتزيد من منسوب الثقة بين الأزواج، وهي الثقة التي بدأت تفتقدها في شخصي من خلال كثرة ترددي على المطاعم والمقاهي، وكذا المكالمات الهاتفية التي لا تتوقف نهارا وليلا، زد على ذلك بعض الهدايا التي تصلني من بعض صديقاتي، سواء في العمل أو خارجه. المهم لا يهمني رأيها هذا، ولن أفكر أبدا في الطريقة التي يمكنني أن أعيد بها ثقتها بي لأن هذا سيرهقني كثيرا لا لشيء سوى لأنني في الوقت الراهن أسعى إلى السلام ولا أجيد خوض الحروب بعد أن تركتها للمحاربين.
بعد أن قدمت لنا النادلة المنيو الورقي، طلبت لنفسي حساء البصل وهو مكون من مرق لحم البقر والجبنة وخبز مقرمش، وطبق فاصوليا باللحم المدخن، زيادة على سلطة النسواز ، اختارت روسيو طبق لحم بقر مطهو في النبيذ ، وهو يتكون من اللحم والأرز والبطاطس وورق الغار ( سيدنا موسى )، ولما سألتنا النادلة عن المشروبات، طلبت روسيو نبيذا خفيفا ومنعشا من نوع شابليس.كانت جلسة رائعة استمتعنا فيها بالطبخ الفرنسي وبموسيقى الجاز، وهي موسيقى عادة ما تستخدم في المطاعم الباريسية الراقية. لم نتحدث عن المرض وتداعياته المستقبلية لأن المقام لا يسمح، ولكننا عدنا بذاكرتنا إلى الأيام الأولى لتعارفنا. كانت مرحلة مليئة بالحب والشباب والمغامرات انتهت بزواجنا على الرغم من تحفظ والدها، لكن على الرغم من هذا، فالرجل استسلم للأمر الواقع أمام الإصرار القوي لروسيو وتمسكها بي.
أعترف أننا قضينا أوقاتا طيبة وجميلة بعيدا عن روتين البيت والعمل والمرض. ولما علمت الابنة ألبا بهذه المفاجأة، شكرتني كثيرا على المبادرة التي سترفع من معنويات روسيو في مواجهتها لهذا المرض اللعين. ومع تقدم الوقت، اتجهنا بخطى ثابتة صوب محطة قطارات سيكور للعودة إلى برشلونة ( الكلوط ) لأن الكثير من الالتزامات تنتظرنا جميعا بما في ذلك تتبع ومواكبة البروتوكول العلاجي للزوجة بنجاح . في الطريق لم تكن علامات الفرح تغادر تعابير وجه روسيو..( يتبع )…

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading