
متابعة :
لم يكن رحيل الفنان مصطفى بوشيبة مجرد فقدان لفنان ينتمي إلى مدينة القصر الكبير، بل هو غياب لأحد أبنائها الذين اختاروا الفن طريقا للتعبير، وحملوا اسم مدينتهم معهم إلى فضاءات فنية داخل المغرب وخارجه.
ولد مصطفى بوشيبة بمدينة القصر الكبير، وتابع بها دراسته الابتدائية والثانوية، قبل أن يلتحق بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان، حيث تخرج في موسم 1977/1978. ولم يتوقف طموحه عند حدود التكوين الوطني، إذ واصل رحلته الفنية إلى أوروبا، فالتحق بالأكاديمية الملكية للفنون الجميلة ببروكسيل، قبل أن يواصل تجربته الفنية ببلجيكا.
وخلال مساره، استطاع بوشيبة أن يبني لنفسه تجربة فنية خاصة، ولا سيما في مجال النحت، حيث تعامل مع الحجر والمواد الأخرى باعتبارها فضاءات مفتوحة للإبداع، قادرا على تحويلها إلى أشكال فنية تحمل دلالات متعددة. كما شارك في معارض جماعية داخل المغرب وخارجه، وارتبط جزء من تجربته بالذاكرة المغربية وبعدد من المدن، من بينها القصر الكبير، مسقط رأسه.
إن استحضار هذه السيرة اليوم يطرح سؤالا يتجاوز التأبين واستعادة مسار الراحل: كيف تحفظ مدينة القصر الكبير ذاكرة أبنائها الذين أسهموا في حياتها الثقافية والفنية؟
ومن هذا المنطلق، تبدو الدعوة إلى جماعة القصر الكبير لإطلاق اسم الفنان مصطفى بوشيبة على أحد شوارع المدينة أو إحدى مؤسساتها الثقافية والفنية، دعوة إلى تحويل التقدير المعنوي إلى شكل من أشكال الاعتراف المؤسساتي.
فالأسماء التي تستحق أن تحملها شوارع المدن ليست فقط أسماء السياسيين أو الشخصيات الإدارية، وإنما أيضا أسماء الفنانين والمبدعين والعلماء والمثقفين الذين أسهموا في بناء صورتها الثقافية، وتركوا للأجيال ما يستحق أن يحفظ في الذاكرة.
ولذلك، فإن إطلاق اسم مصطفى بوشيبة على شارع أو فضاء ثقافي بالقصر الكبير سيكون أكثر من مجرد لوحة تحمل اسما؛ سيكون رسالة إلى الأجيال الجديدة بأن المدينة تتذكر أبناءها، وتقدر إبداعهم، وتحتفي بمن جعلوا من الفن وسيلة لحفظ الذاكرة والتعبير عن الإنسان والمكان.
كما يمكن أن يشكل هذا التكريم مناسبة لتنظيم معرض استعادي لأعماله، وندوة حول تجربته الفنية، وتوثيق مساره في سجل الذاكرة الثقافية للمدينة، حتى لا تختزل سيرته في خبر رحيل أو شهادة تأبين عابرة.
لقد آن الأوان لأن تنظر القصر الكبير إلى ذاكرتها الثقافية باعتبارها جزءا من هويتها، وأن تعمل على تثبيت أسماء مبدعيها في المجال العام.
ومن هنا، فإن تكريم مصطفى بوشيبة لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء مراسم الوداع، بل يستحق أن يتحول إلى مبادرة دائمة: شارع يحمل اسمه، أو مؤسسة ثقافية تحتفي بتجربته، أو فضاء فني يظل شاهدا على أن أحد أبناء القصر الكبير اختار أن يجعل من الحجر والمواد الجامدة لغة للفن والجمال.