الطيب المحمدي … حين تصبح القصيدة ذاكرة مدينة

منذ ساعة واحدة

بقلم: أمينة بنونة

في كل مدينة أناس لا يحتاجون إلى كثير من الضجيج كي يتركوا أثرهم، ولا إلى الأضواء كي نلتفت إلى ما يقدمونه. يكفي أن تكون لهم علاقة صادقة بما يحبون، وأن يظلوا أوفياء لما آمنوا به طوال سنوات العمر.
ومن بين هذه الوجوه التي تستحق أن نتوقف عندها في القصر الكبير، يبرز اسم الأستاذ الطيب المحمدي، الشاعر الذي رافقته القصيدة في رحلة الحياة، وظلت اللغة العربية نافذته إلى الإنسان، وإلى ما يختبئ في النفس من مشاعر وأسئلة وذكريات.
ليس حديثنا اليوم عن أستاذ للغة العربية فحسب، ولا عن شاعر أصدر دواوين شعرية، وإنما عن تجربة إنسان اختار أن يمنح الكلمة من وقته ووجدانه، دون أن يجعل من الظهور غاية، أو من الشهرة شرطًا للاعتراف بقيمة ما يكتب.
من القصر الكبير تبدأ الحكاية…
في سنة 1955، أبصر الطيب المحمدي النور بمدينة القصر الكبير، المدينة التي ظلت حاضرة في مساره، حتى حين قادته الدراسة والعمل إلى مدن مغربية أخرى. تنقل بين القصر الكبير وتاونات وتطوان وطنجة والقنيطرة، وعاش تجارب مختلفة، قبل أن يعود سنة 1985 إلى مدينته، مدرسًا للغة العربية بثانوية المنصور الذهبي.
ولعل في هذه العودة شيئًا يتجاوز الانتقال من مدينة إلى أخرى؛ إنها عودة إلى المكان الذي تتشكل فيه الذاكرة الأولى، وتظل فيه الوجوه والأصوات والتفاصيل الصغيرة جزءًا من وجدان الإنسان.
هناك، بين القسم الدراسي والحياة الثقافية، واصل الطيب المحمدي مساره، جامعًا بين رسالة التعليم وشغفه بالأدب، ومشاركًا في أنشطة جمعوية وثقافية جعلت منه واحدًا من الوجوه المعروفة في محيطه الثقافي المحلي.
الشعر… حكاية بدأت بالمشاكسة وانتهت بالوجدان
لم يأت الشعر إلى الطيب المحمدي في صورة قرار معلن أو مشروع للبحث عن مكانة أدبية. كانت البداية، كما يروي عن تجربته، في سنوات الدراسة بتطوان، من خلال مكاتبات شعرية بين الأصدقاء، غلبت عليها الدعابة والهجاء الطريف.
لكن ما بدأ مشاكسة بين رفاق الدراسة، سرعان ما تحول إلى علاقة أعمق بالكلمة، خاصة في سنوات عمله بمدينة سيدي قاسم، حين ازدحمت النفس بالتجارب والمشاعر، ووجدت في الشعر متنفسًا لما تعجز الحياة اليومية عن قوله.
كتب قصائد عديدة، وظل قسم منها بعيدًا عن النشر، حتى ضاع عدد من القصائد التي كتبها في تلك المرحلة. وربما كان في هذا الضياع ما يجعلنا نتأمل قيمة الكتابة التي لا تُقاس دائمًا بما يصل إلى القارئ، بل بما تتركه من أثر في صاحبها أولًا.
كان الطيب المحمدي يكتب، ويقرأ ما يكتب، ويعيد النظر فيه، دون استعجال لنشره أو الاحتفاء به. وقد رأى فيه الأديب الراحل بوسلهام المحمدي شاعرًا يعشق الشعر لذات الشعر، ويجعل من نفسه قارئًا وناقدًا لتجربته.
وهنا، ربما نقترب من أحد أسرار هذه التجربة: فالشعر عنده ليس مجرد أبيات موزونة، بل حالة من الإصغاء إلى الحياة، بما فيها من فرح وألم، ولقاء وفراق، وذكريات لا يغيب طعمها مهما امتد الزمن.
«زغاريد مبحوحة»… صوت القصيدة حين يخرج من عزلته
بعد سنوات من الكتابة، اختار الطيب المحمدي أن يفتح نافذة على عالمه الشعري، فصدر ديوانه الأول «زغاريد مبحوحة» سنة 2007، جامعًا تسعًا وعشرين قصيدة.
وقد احتفت به الأوساط الثقافية بالقصر الكبير، ونظمت جمعية الانبعاث حفل توقيعه سنة 2008، بمشاركة عدد من المهتمين بالأدب والشعر.
وفي هذا العنوان وحده، ثمة ما يدعونا إلى التأمل: كيف يمكن للزغاريد، وهي علامة الفرح، أن تكون مبحوحة؟ أليس في ذلك شيء من حكاية الإنسان نفسه، الذي قد يفرح وفي داخله غصة، ويبتسم وفي ذاكرته ما لا يقال، ويحمل في قلبه مشاعر متداخلة لا تستطيع الكلمات العادية أن تستوعبها؟
ثم جاء ديوانه الثاني «ملح الذاكرة»، الذي صدر لاحقًا، ليضيف محطة أخرى إلى تجربته، بقصائد تتنوع موضوعاتها بين التأمل والرثاء والوطنيات وغيرها من انشغالات الإنسان والمجتمع.
ولم تبق بعض قصائده حبيسة صفحات الدواوين، بل وجدت طريقها إلى التلحين والغناء، ضمن ألبوم «جيل البناء»، في لقاء جميل بين الشعر والموسيقى، وبين الكلمة التي تُقرأ والكلمة التي تصل إلى الناس عبر الصوت والنغم.
شاعر يحمل من المدينة شيئًا، وتحتفظ المدينة بشيء منه
حين نتأمل علاقة الشاعر الطيب المحمدي بالقصر الكبير، لا نحتاج إلى أن نحصرها في مكان الميلاد أو سنوات العمل أو المشاركة في الأنشطة الثقافية. فالعلاقة بين الشاعر ومدينته أعمق من العناوين والتواريخ؛ إنها علاقة تتكون من الذاكرة المشتركة، ومن تفاصيل الحياة، ومن الناس الذين يمنحون المكان معناه.
وفي المدن التي تحتفظ بذاكرتها عبر الحكايات والقصائد، يصبح للشاعر دور خاص؛ فهو يستطيع أن يمنح المشاعر لغة، وأن يحول اللحظة العابرة إلى أثر يبقى.
ومن هنا تأتي قيمة الالتفات إلى تجارب أبناء المدينة، وإلى أولئك الذين واصلوا الكتابة والعمل الثقافي بعيدًا عن ضجيج الأضواء، لأن ذاكرة المدن لا تصنعها المعالم وحدها، بل يصنعها أيضًا أهلها، وما يتركونه من أثر في الوجدان.
والطيب المحمدي، بما راكمه من تجربة في التعليم والشعر والعمل الثقافي، واحد من هذه الأسماء التي تستحق أن نعيد تقديمها للأجيال الجديدة، وأن نفتح أمامها باب التعرف إلى عوالمه الشعرية.
كلمة أخيرة…
في زمن تتسارع فيه الأشياء، وتصبح فيه الرغبة في الظهور أحيانًا أسرع من الرغبة في الإبداع، تمنحنا تجربة الطيب المحمدي فرصة للتأمل في معنى أن يظل الإنسان وفيًا لما يحب.
فليس كل ما يُكتب يُنشر، وليس كل ما يُنشر يبقى، وليس كل من ابتعد عن الأضواء غائبًا عن الحياة الثقافية.
هناك من يترك أثره بهدوء، ومن يجعل من الكلمة رفيقة العمر، ومن يظل الشعر بالنسبة إليه أكثر من حرفة؛ إنه طريقة في النظر إلى العالم، ومحاولة لفهم الإنسان، والاحتفاظ بشيء من جمال الحياة رغم ما فيها من تعب وانكسارات.
إلى الأستاذ الطيب المحمدي، ابن القصر الكبير، ومدرس اللغة العربية، والشاعر الذي جعل للكلمة مكانًا في حياته، نوجه تحية تقدير واعتراف، على أمل أن تجد تجربته مزيدًا من القراءات، وأن تظل قصائده نافذة مفتوحة أمام محبي الشعر واللغة والجمال.
فبعض الشعراء لا يحتاجون إلى أن يرفعوا أصواتهم كي نسمعهم؛ يكفي أن نصغي جيدًا إلى ما كتبوا.
أمينة بنونة – أم زيد

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading