
ادريس الغزالي :
المشهد الانتخابي الذي نراه اليوم يطرح سؤالاً أكبر من أسماء المرشحين ووعودهم وبرامجهم:
هل نضجت الممارسة السياسية بما يكفي لتجعل من الانتخابات والأحزاب وسيلة لبناء دولة المؤسسات، أم ما زلنا أمام موسم تتصارع فيه النخب على التموقع والكراسي؟
والسؤال البسيط الذي يطرحه المواطن:
أين كنتم طوال السنوات الخمس؟ ولماذا لا نراكم إلا عندما تقترب الانتخابات؟
لماذا يصبح المواطن فجأة عزيزاً، وتصبح معاناته فجأة موضوعا للخطابات، ويصبح بابه مقصدا، وصوته محل اهتمام، وكأن المواطن لا قيمة له إلا عندما يتحول إلى ورقة انتخابية؟
المشكلة ليست في وجود الأحزاب في حد ذاته. فالدستور يمنحها دورا واضحا في تأطير المواطنين وتكوينهم سياسيا، والمساهمة في الحياة الوطنية وتدبير الشأن العام. كما أن المؤسسات المنتخبة والحكومة تضطلع باختصاصات دستورية في التشريع والتنفيذ والمراقبة.
لكن السؤال الحقيقي هو:
ماذا بقي من هذا الدور عندما يتحول العمل السياسي إلى موسم انتخابي، ثم يختفي السياسي بعد انتهاء الموسم؟
حين تتحول الحملة إلى صراع بين المشاركين، وإلى استعراض للنفوذ، وترشيح للأعيان، واستعمال للخطاب العاطفي، وإغراق للناس بالوعود، بينما لا تكاد نسمع حديثاً جدياً عن الإصلاحات العميقة، وعن التعليم والصحة والعمل والعدالة الاجتماعية والتنمية؛ فإن السياسة تبدأ في الابتعاد عن جوهرها.
والأخطر من ذلك هو أن تتحول الطبقة الكادحة والفئات الهشة إلى كتلة انتخابية لا إلى مواطنين كاملي الحقوق.
يستدعى الفقير عندما يحتاجون إلى صوته، ويُستدعى العاطل عندما يحتاجون إلى صورته، ويستدعى البسيط عندما يحتاجون إلى حشودهم… ثم يعود الجميع إلى مواقعهم بعد انتهاء الحملة.
لكن من يصنع هذه الهشاشة أصلا
هذا هو السؤال الذي لا يريد كثيرون الاقتراب منه.
من السهل أن نقول إن المواطن جاهل، أو خانع، أو يبيع صوته.
لكن الأصعب أن نسأل:
من الذي ترك الجهل يتكاثر؟
من الذي سمح للهشاشة بأن تصبح نمط حياة؟
من الذي جعل الحاجة أقوى من الإرادة؟
ومن الذي جعل المواطن يفكر في منفعة اليوم لأنه لا يملك ضمانا للغد؟
فالإنسان الذي يملك تعليما جيدا، ودخلا مستقرا، وعملا يحفظ كرامته،وتغطية صحية، ومؤسسات تحمي حقوقه، ومساحة حقيقية للتعبير والمشاركة، ليس هو نفسه الإنسان الذي يعيش تحت ضغط الحاجة والخوف والبطالة وانعدام الأفق.
الهشاشة ليست مجرد فقر في الجيب؛ أحيانا تكون فقرا في الخيارات.
والجهل ليس فقط أن لا تعرف؛ بل أن تحرم من الأدوات التي تجعلك قادرا على السؤال والمحاسبة.
لهذا، فإن اختزال المشكلة في المواطن وحده هو أسهل طريق للهروب من أصل المشكلة.
الفقر لا ينبغي أن يكون وقودا للانتخابات، والحاجة لا ينبغي أن تصبح وسيلة لاستمالة الناخب، والمواطن لا ينبغي أن يتحول إلى حطب يستهلك كلما اشتعل الموسم الانتخابي.
المواطن يحتاج إلى مؤسسة تعمل طوال السنة، لا إلى سياسي يطرق بابه كل خمس سنوات.
يحتاج إلى مدرسة تعطي أبناءه فرصة، ومستشفى يحفظ كرامته، وعمل يمنحه استقلاله، وقانون يحميه، ومؤسسات يستطيع مساءلتها.
لأن المواطن المستقل اقتصاديا وفكريا أصعب في الاستغلال من المواطن الذي يعيش دائما على حافة الحاجة…
وهنا يصبح النضج السياسي أكثر من مجرد صناديق اقتراع.
النضج السياسي لا يقاس بعدد السيارات في المواكب، ولا بعدد اللافتات، ولا بمكبرات الصوت، ولا بالولائم، ولا بعدد الوعود.
النضج السياسي يبدأ عندما يصبح المواطن مواطنا لا رقما انتخابيا.
عندما يصبح الفقير صاحب حق، لا ورقة ضغط.
عندما يصبح الحزب مدرسة للتأطير السياسي، لا مجرد ماكينة انتخابية.
وعندما يصبح السياسي مطالبا بتقديم حصيلة لا مجرد وعود.
فالخنوع لا يصنع ديمقراطية، والتطاحن لا يصنع مؤسسات، والوعود وحدها لا تصنع دولة.
والسؤال الحقيقي ليس: من سيفوز بالمقعد؟
بل: من سيربح الإنسان؟
ومن سيكسر هذه الحلقة التي تجعل من الفقر مادة انتخابية، والجهل سوقا سياسية، والهشاشة وقودا للمواسم الانتخابية؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة ليس أن يستغل المواطن مرة، بل أن تصنع الظروف التي تجعله قابلا للاستغلال في كل مرة…