حوار : الكونية ليست ملكا لمركز حضاري أحادي الجانب

منذ 6 ساعات
Oplus_131072

أجرت الحوار : أمينة بنونة
تقديم
الدكتور عزيز الهلالي كاتب وباحث مغربي في الفلسفة السياسية المعاصرة، ينشغل بأسئلة الكونية، والاعتراف، والحوار بين الثقافات، ونقد المركزيات المعرفية، والفلسفة السياسية والأخلاقية. ويعمل، من خلال مشروعه الفكري، على إعادة مساءلة المفاهيم المؤسسة للفكر الحديث، واقتراح أفق فلسفي ينفتح على التعدد الثقافي ويؤسس لكونية قائمة على الحوار والتشارك.
أصدر الهلالي عددا من المؤلفات والدراسات التي تتكامل فيما بينها، من أبرزها: “سلطة المعيار الاجتماعي وسؤال الاعتراف: تأملات في قضايا النوع والجنس والدين” و”الفلسفة النسوية: سؤال السيادة والكونية في فكر سيلا بن حبيب” وصولا إلى كتابه الجديد “الترحال الفلسفي: من نقد كونية المركز إلى تأسيس كونية تشاركية” الذي يمثل تتويجا لمسار فكري تدرج من مساءلة قضايا الاعتراف والهوية والاختلاف، إلى نقد المركزية الغربية، وانتهى إلى بلورة تصور فلسفي بديل للكونية يقوم على التعددية المعرفية والحوار بين الحضارات.
في هذا الكتاب، لا يكتفي المؤلف بتفكيك الأسس الفلسفية التي قامت عليها الكونية المتمركزة حول الغرب، بل يسعى إلى إعادة بنائها انطلاقا من حوار نقدي مع الفلسفة الغربية، والفكر ما بعد الكولونيالي، والفلسفات الإفريقية والآسيوية والعربية. ومن خلال هذا المسعى، يدافع عن مفهوم الكونية التشاركية باعتباره أفقا فلسفيا يتجاوز منطق الهيمنة الثقافية، ويؤسس لعالم تتفاعل فيه مختلف التقاليد الفكرية على أساس الاعتراف المتبادل والتكافؤ المعرفي.
في هذا الحوار، يحدثنا عزيز الهلالي عن خلفيات هذا العمل، وأبرز أطروحاته، وعلاقته بمشروعه الفكري الممتد، كما يناقش مستقبل الفلسفة في عالم تتعاظم فيه الحاجة إلى تجاوز المركزيات وبناء فضاء إنساني أكثر عدلا وانفتاحا.
أجرت الحوار: أمينة بنونة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

✓يثير عنوان كتابكم فضول القارئ منذ الوهلة الأولى، فهو يجمع بين “الترحال” و”الفلسفة”. لماذا اخترتم هذا العنوان؟

في تقديري الفلسفة لا تنمو إلا بالسفر خارج يقينياتها. والترحال الذي أقصده ليس انتقالا جغرافيا، بل هو ترحال في أنماط التفكير، وانفتاح على تجارب إنسانية متعددة. لقد ظل تاريخ الفلسفة، في كثير من الأحيان، يُكتب من داخل مركز حضاري معين، بينما بقيت إسهامات ثقافات أخرى على هامش السردية الفلسفية السائدة. لذلك جاء مفهوم “الترحال الفلسفي” ليعبر عن حركة فكرية تتجاوز الحدود، وتبحث عن الحقيقة من خلال الحوار لا من خلال الاحتكار.

✓ يبدو أن مفهوم الكونية يمثل محور الكتاب. ما الإشكال الذي تطرحونه بشأنه؟

ليس الإشكال في الكونية باعتبارها أفقا إنسانيا، وإنما في الكونية حين تتحول إلى خطاب يختزل التجربة الإنسانية في نموذج واحد. لقد ارتبطت الكونية الحديثة، في كثير من الأحيان، بتاريخ أوروبا السياسي والثقافي، ثم قُدمت باعتبارها التعبير الوحيد عن العقل والحداثة. ما أسعى إليه هو التمييز بين الكونية بوصفها قيمة إنسانية مشتركة، والكونية بوصفها أداة لإنتاج المركز والهامش.

✓هل يمكن القول إن كتابكم ينتمي إلى الفكر ما بعد الكولونيالي؟

يستفيد الكتاب من منجزات الفكر ما بعد الكولونيالي، لكنه لا يقف عند حدود نقد الاستعمار أو كشف آليات الهيمنة. اهتمامي الأساسي هو السؤال التالي: ماذا بعد النقد؟ كيف يمكن بناء تصور جديد للكونية لا يقوم على قلب موازين الهيمنة، بل على تجاوز منطق الهيمنة نفسه؟ لذلك أقترح مفهوم “الكونية التشاركية” باعتباره أفقا فلسفيًا جديدا.

✓ ماذا تقصدون بالكونية التشاركية؟

أقصد بها كونية تُنتج بالحوار بين الثقافات، لا بفرض ثقافة على أخرى. إنها كونية تعترف بأن الحقيقة لا تتشكل داخل مركز واحد، وأن كل حضارة تمتلك إمكانا للإسهام في بناء الفكر الإنساني. ليست كونية للتماثل، بل كونية للاعتراف بالاختلاف.

✓ خصصتم حيزا مهما للفلسفات الإفريقية والآسيوية. ما الذي دفعكم إلى ذلك؟

غالبا ما تُقرأ هذه الفلسفات من خارج سياقاتها أو يُنظر إليها بوصفها تراثا محليا لا يرقى إلى مستوى الفلسفة العالمية. بينما تكشف القراءة المتأنية أنها تقدم تصورات أصيلة حول الإنسان والأخلاق والطبيعة والعلاقة بالآخر. إعادة إدماج هذه الأصوات في النقاش الفلسفي ليست مجاملة ثقافية، بل ضرورة معرفية.

✓ وهل يعني ذلك أنكم تدعون إلى تجاوز المركزية الأوروبية؟

نعم، ولكن ليس عبر إنشاء مركزية بديلة. فالغاية ليست استبدال أوروبا بإفريقيا أو آسيا، وإنما تفكيك فكرة المركز نفسها. فكل مركزية، مهما كان مصدرها، تحمل في داخلها قابلية لإقصاء الآخرين. البديل هو فضاء فلسفي متعدد المراكز، أو ربما بلا مركز ثابت.

✓ أين تضعون الفلسفة العربية داخل هذا المشروع؟

أرى أن الفلسفة العربية تمتلك رصيدًا غنيًا يؤهلها للإسهام في النقاش الفلسفي العالمي، لكنها مطالبة أيضًا بإعادة قراءة تراثها بروح نقدية، والانخراط في قضايا العصر، بدل الاكتفاء بالدفاع عن الماضي أو استعادته. حضورها في الكونية التشاركية لا يكون بالانغلاق على الذات، ولا بالذوبان في الآخر، وإنما بالمشاركة الخلاقة.

✓ يلاحظ القارئ حضور أسماء فلسفية كثيرة في الكتاب. هل كان الهدف بناء تاريخ بديل للفلسفة؟

ليس تاريخا بديلا، بل تاريخا أكثر اتساعا وعدالة. فالسرديات الكبرى كثيرا ما تُقصي أصواتا عديدة. حاولت أن أفتح المجال أمام حوار بين فلاسفة من تقاليد مختلفة، لأن الفلسفة، في جوهرها، لا تزدهر إلا بتعدد الأسئلة وتنوع الأجوبة.

✓ ما الذي تأملونه من هذا الكتاب؟

آمل أن يساهم، ولو بقدر متواضع، في إعادة التفكير في علاقتنا بالآخر، وفي الطريقة التي نكتب بها تاريخ الفلسفة، ونفهم بها الكونية. كما أتمنى أن يشجع الباحثين الشباب على الانفتاح على الفلسفات غير الغربية، وأن ينظروا إليها بوصفها شريكًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد موضوع للدراسة.

✓ أخيرا، إذا أردتم تلخيص رسالة الكتاب في عبارة واحدة، فماذا تقولون؟

أقول إن الإنسانية لا تحتاج إلى كونية تُلغي الاختلاف، بل إلى كونية تجعل من الاختلاف شرطا للحوار، ومن الحوار أساسًا لبناء مستقبل إنساني مشترك.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading