قراءة للمجموعة القصصية: “رماد دافئ” لمؤلفها الأستاذ أحمد العبودي.

14 يونيو 2026

بقلم : ذ. مصطفى الجباري

لمع وانطباعات

بعد الحمد والبسملة، والثناء على الله بما هو أهله، أفتتح هذه القراءة في العمل الإبداعي الثالث للأستاذ أحمد العبودي، معرباً له عن فرحتي وغبطتي على إرادته، ومجهوده حتى أخرج للوجود الإبداعي هذه الأعمال، التي سيقرأها كل جيل على ضوء ظروفه ولون فكره وخياله.
ثم ألفت النظر إلى أنني أحببت أن أتعقب كل قصة من قصص هذه المجموعة، فأفردها بتأمل عابر، أستجلي من خلاله ما تيسر من الكشف عن معالم التألق والنجاح في تلافيف أروقة الجمال لمتن السرد القصصي، في هذه المجموعة القصصية المعنونة بـ: “رماد دافئ ”
(1)”رماد”
“رماد” محاولة إبداعية، اشتملت على قضية، كثيراً ما يغفل عنها العقل والوجدان في آن معاً، فتحدث هزات عنيفة على مستوى النفس والواقع، وهي مسألة القدر، وما يصحبه وراء أستاره الغيبية من أحزان مؤلمة. فهي قضية تعيد إلى العقل والوجدان استعداد التعامل مع أحداث الحياة، على أساس منطق الغيب المخبوء في حكمة الأقدار، لا على أساس أشواق ورغبات الأنانية في خط أفعالنا وآمالنا، مما نرجوه من أوراق الحياة.
المضمون العام لهذه القصة، تحكمه رؤية خاضعة لمنطق الأنانية، والمصالح، والألم. من حيث الشكل الفني لهذه القصة، فإنه لاتزال في حاجة إلى امتلاك لغة التكثيف القصصي، وتجاوز أساليب البيان السردي، الذي محله المقالة، ولغة النثر المباشر؛ إذ اللغة في مجال السرد القصصي والروائي، هي مركز دهشة المفاهيم، وبأسرار حبكتها الاحترافية تتراءى أصالة جمال الإبداع الفني. أما عنوان هذه القصة، فهو “رماد” مترسب في أعماق النفس البشرية، جراء كبوة نسيان أن الحياة هي ثنائية الألم والسعادة. ومن أرادها سعادة بلا ألم، فمآله رماد يحرق أعماقه بغصص الاعتراض على الشطر المحتوم في فلسفة القدر.
(2)”امتحان”
قصة رسمت ألوانها السردية في توجع أحلام الإنسان، تلك التي تهرب منه، وهو يلاحقها بالطمع والتطويع، وهي مأساة يشترك في فصول أحداثها كل فعل إنساني، إلا أن يوسف هنا، في هذه القصة، ترامت أشواق أحلامه، وهي محمولة على جناحي العلم والإصرار، فكانت النتيجة بلوغه إلى ما كان يتطلع إليه. إنها قصة رسمت ألوانها بالرماد وأطياف الأمل، وتلك هي فلسفة الحياة! اللغة في هذه القصة، أوشكت أن تنفض عن أصوات إيحاءاتها ثقل التقريرية، واقتربت قليلاً من ذلك الذي يرجوه كل ناقد، أو قارئ متذوق، إنه رجاء أن تكتسي لغة السرد القصصي بكساء البهاء والجمال، وبدهشة التركيب المبدع المدهش، لعل السارد إذا أصر أن يبقي اسمه في ديوان المبدعين، وأن يأتي يوم يبلغ فيه هذه المهارات في فك السرد القصصي.
(3)”الوزير”
قصة حركت آلية الوصف، فكانت على خط السرد القصصي، وأملي أن يقبض السارد على زمام هذه الآلية، ويضيف إليها لغة سردية، تفجر إيحاءات الجمال الإبداعي من عمق مفردات التكثيف، والاختزال، وتأزيم الأحداث بتقنية التشويق والدرامية. وكذلك تكون سطوة فن السرد القصصي: أما هذه القصة، فإن عمقها درامي، يلامس أزمة الضمير الإنساني، إلا أنها كانت متحصنة بأسلوب تقريري أقرب إلى لغة الصحافة والنثرية، التي تليق بالمقالة، وليس بفن قصصي، دهشته في التركيب اللغوي المستند على درامية الاختزال والتكثيف، والحفر عميقاً في أوراق القضايا، وتراكيب النفس والضمير.
(4)”اعترافات أستاذ”
هذه القصة معنونة باعترافات أستاذ، وأنا بدوري أعترف، من غير أصباغ المجاملة بأنها أول قصة ضمن هذه المجموعة، تألقت على هوى خصائص القصة القصيرة. السرد محكم، واللغة انسيابية، طليقة من عقال النثرية، تلك التي تكثر في فن المقالة. جمال في التصوير البلاغي، الذي يفتح فضاء المتعة والانتشاء، ويشق في العقل والوعي شروخ الصدمة والمراجعة. إنها قصة نجحت في الكشف عن أمراض التخلف والانحطاط، تلك الأمراض المتراكمة، في سر شذوذنا وانكسار أفعال نفوسنا. كأني بالأستاذ، سارد هذه القصة، زاره طيف إلهام، مارد فن القصة القصيرة، فتعاون معه على هذا الإخراج. ليت كل أعماله تنطلق من هذا المستوى، ثم تمرح بعيداً عبر بطاح التألق، والدهشة وسطوة جمال الفن.
(5)”الغرفة 78″
هذا هو التألق الذي يليق بأشجان الفن، هكذا أريدك دائماً صديقنا الأستاذ أحمد. إنها قصة، اقتربت من تخوم مملكة “الدهشة”، أسعفك في كتابتها خيال المبدع، الذي ينتزع أشجانه من لوعة الصدق، وبتباريح الألم. لغة درامية، تسرق من القارئ لحظة تعاطف مع أحزان الآخرين، ووصف يغمس خياله في مداد الإيحاء النفسي، بدل صنعة التوصيف الفوتوغرافي، فإذا بك أمام ما يصنعه المرض بكينونة السعادة النفسية من ألم، وتمزيق نسيج وحدة السكينة. وأجمل من هذا و ذاك، تلك السكينة التي كان عليها المريض، ساعة عيادة أصدقائه له! إنها الروح حين تظل على ثباتها في محراب العبودية، لا يكسر شوكة ثباتها وهدوئها وسكينتها قدر مؤلم . إنها الرسالة المركزية التي ينبغي الرجوع بإيحائها وأنت تقرأ هذه القصة الناجحة.
(6)”إقالة”
قصة سردها يداعب عتبات الإحكام الناجح لـفن السرد القصصي، الحدث مختزل في صدمة واحدة، لا تتشعب أحداثها، وإنما تركز على قضية بعينها. تفجر مخبوء تراجيعها بلوعة المأساة والدراما، أو بتباشير الفرحة والنصر. وإذ ما أرادت قصة أن تدخل من باب الخلود واستمرار نفع أسئلتها فينبغي أن تنفتح على قضايا الوجود وأسرار النفس والأسئلة التي لا ينسخ الزمان أهميتها. وهذه القصة اقتربت قليلا من سؤال الصدمة، ذلك السؤال الذي يفاجئ أحلام الإنسان من جهة فواجع القدر. وبما أنها قصة قصيرة فإنها لامست هذا السؤال من هوامشه البرانية ، لكنها ملامسة ناجحة وكادت أن تعري سؤال صدمة الدهشة أمام فواجع القدر، لكنها قصة قصيرة ، وتلك حدود إمكاناتها في تفجير ما وراء نظائر هذا اللون من الأسئلة ذات الصدمات والفواجع.
(7)”رجل السلطة”
قصة متوفرة على قدر لا بأس به من القبض على مفردات السرد القصصي؛ حبكتها توفقت في تحريك نغم التكثيف والاختزال، وموضوعها هو واحد من الألغام التي غرست دبابيسها تحت بساط الحضارة العربية الإسلامية، والسارد هنا لم يناور ولم يتكئ على معجم الديبلوماسية في تفجير شذوذ هذا اللغم النفسي الذي أصاب مؤسسة السلطة كما أنه لم يتوسل بمفردات المزايدة الأيديولوجية بل كان متزنا يعري ويكشف. وبوح السرد الظاهري يعطيك صامته وباطنه من غير عناء بأن غاية السارد من هذه القصة هي تطبيب جسد الحضارة الإسلامية من أخطر أدوائها وهو داء التماهي مع ذلك الصوت الثاوي في أعماقنا الذي يسكره ويثمله كأس الطغيان والغطرسة والعلو ودفع أصالة الحق والتواضع. إنها قصة محاصرة بتميمة التكثيف والاختزال لكنها زاخرة بالدلالات والإيحاءات وهو واحد من أبرز معالم المجموعة القصصية.
(8)”جلباب”
أقصوصة عمق مضمونها أبهج من معمار شكلها الفني، زاخرة بقيم أمست في صراع مع رهان الحصار والإبعاد، بلاغتها في ذلك الباطن الزاخر بمعاني الحب والصداقة والإيثار، كأننا ننجذب بأمواج الحنين نحو ماض، استبدل بجحيم قيم مادية، نفعية ساجنة للإرادات في قاع دهليز الحظوظ الذاتية.
عنوان هذه الأقصوصة، أريد أن أقرأه قراءة إشارية، متجاوزاً معناه الظاهري. الجلباب رمز قيم تنتسب إلى وحي السماء ، سمتها فضفاض ، واسع تزهدنا عن أصالة ما يحمله من إشارات ورموز، ضاقت بنا وعلينا أقواس الحياة. هكذا أحببت أن أعرّي رموز شفرة هذه الأقصوصة، ذلك فن النص القصصي بطبيعته أنه مفتوح على شتى ألوان القراءات.
(9)”زيارة”
هذه القصة هي سيدة السباق، فاقت ما قبلها، فأبهرت وتألقت! أكاد أجزم، بلا تردد، بأن السارد هنا، اقتحم أسوار تلك الطفرات، التي تليق بصنعة جمال السرد القصصي، ومعمار التشكيل فيما يصطلح عليه بفن القصة. لغة يحيط بدهش تراكيبها بوح بلاغي، يتكئ على مهامز السلاسة، وعمق الإيحاء الدلالي. مرجعيتها الفكرية، أصيلة، لم يبتلع رؤاها استلاب وذوبان في أطروحة فكر براني مناقض لخصوصيات الحضارة الإسلامية. لو ينتظم مارد التوفيق على إيقاع هذا التألق، يكون ساردنا في هذه المجموعة القصصية ممن أخذ بركاب الرحلات الفنية في عالم السرد القصصي، كما ينبغي أن يكون موكب الرحلات الفنية في جنس القصة القصيرة. لكن الإلهام له طفرات الإقبال، وعثرات الإدبار.
( 10)”انتحال صفة”
تقابل طفيف بين الشكل والمضمون في هذه القصة، اللغة محكمة، والوصف يعطيك الملامح، ولا يعطيك التفاصيل، لكنه وصف منسجم مع فن القصة القصيرة. لأنه كلما كان التكثيف والاختزال، كان هناك احترام فني لطبيعة هذا الجنس الأدبي. إلا أن الشيء الذي يلفت النظر في هذه القصة، هو مضمونها! ماذا أراد السارد من خلال شرخ التناقض، الذي يحمله بطل هذه القصة على مستوى مواقف سلوكه، أثناء أحداث هذه القصة؟ رجل ينتمي إلى مؤسسة دينية، هي المسجد، وهو يقوم بهذا الغش والتدليس، وانتحال هوية ليست هي ذاته، أو حقيقته؟ هل هو جهل بقيم الدين الرفيعة، التي تمنع مثل هذه التصرفات؟ أم هي دناءة نفسية، نفعية، تدفعه إلى تجاوز قيم ما ينتمي إليه من وظيفة دينية سامية؟ لبس وغموض في الرسالة الضمنية، التي تريد هذه القصة أن ترسلها إلى عقل وخيال قارئها! ومما يعزز إعلان هذا الغموض في مرجعية تفكير وفهم هذه الشخصية، هو جوابها على أسئلة زوجته: بأن ما يفعله هو الصواب، في حين أن الأمر ليس كذلك. كيف يستقيم في عقل رجل ينادي إلى الصلاة، وهو يخالف جمال ومعاني فلسفة الصلاة على مستوى المواقف والتصرفات؟ كيفما كان سر خلفية هذا التناقض، يبقى من مقاصد فن السرد القصصي، أنه كما ينتج الأجوبة على قضايا الحياة والوجود، ينتج أيضاً فلسفة السؤال، حتى وإن كان محاطا بالحيرة والغموض. المفتاح الوحيد في هذه القصة، الذي يطمئن شفرة التحليل أن السارد، أراد الإدانة والإنكار لصنيع بطل هذه القصة، هو عنوانها، بحيث الاصطلاح يعود بكلمة الانتحال، هي في الغالب المألوف، تكون في خيارات الأفعال السلبية، ورجل ينتحل صفة ليست ذاته، ذلك يعني أنه صنيع مذموم، ومرفوض.
(11)”عرض مقلق”
قصة سلسة، محررة من ثقل المباشرة والنثرية التي محلها فن المقالة، لغة ينتظم في تشكيلها التركيبي تناغم منسجم بين آلية الوصف، وصنعة تفجير أسلوب الدراما وفجائية الانتقال من النقيض إلى النقيض على مستوى تزامن مشاهد الحدث .

حبكة التشويق أخذت بزمام سطوتها على نفسية القارئ حتى كادت أن تملي عليه رفض هذا الطلب الغريب من زوجة شخصية هذه القصة ، وهنا محل الحوار والتعاطي مع الفكرة المركزية لهذه القصة، استطاع السارد أن ينتزع خلفية التوتر المندهش من انفلاتات القارئ وهو يفاجأ بعرض غريب تتقدم به زوجة الى زوجها، وهو عرض حتى وإن وجدنا له مبررا ظاهريا، نضطر إلى رفضه واستغرابه لأنه على النقيض من أصل طبيعة نفسية المرأة، وكانت حيلة فنية ناجحة من طرف السارد ، استطاع ان يولد في دوافعنا قلق السؤال، إلا أنه في الأخير منحنا الجواب بأسلوب الطفرة حيث انقلبت الزوجة انقلابا جذريا عنيفا فتنكرت لما كانت متحمسة له، وهو رغبتها في أن يتزوج زوجها بصديقتها.

إنه انقلاب يعري جوهر المرأة الباطني، ذاك القاع الغامض المتناقض، المشدود بقوة انفعالات التناقضات والمفاجآت العجيبة، إنه توصيف لأصل الجبلة في عمق تركيب المرأة، ليس قدحا أو إنقاصا من شأن المرأة. إنها قصة اقتربت قليلا من الأسئلة الخالدة.
(12)”عتاب عابر”
بناؤها محكم، لغتها سلسة، تراكيبها أبعد من أن يقربها قبح الركاكة وعجمة التعبير. إنها جولة في عوامل النفس. وضع السارد مبضع تشريحه على مرض نفسي خطير هو من الأسباب الشائعة، التي تمزق وحدة الترابط المشاعري في خط العلاقات الخاصة والعامة . إنّه مرض سوء الظن، وقراءة أفعال من نخالف، أو نعاشر، قراءة ينفخ في أبواق حروفها مِزمار من مزامير الشياطين.

قصّة تبنى في دوافع قارئها رغبة قوية في أن يمتلك خلق التُؤدة، لكي يدفع بأنوار ذلك الخلق مفاسد شتّى، تجنيها أفعالنا حيث تكون متلبسة بهلاوس تلك المزامير الشيطانية، وسوء الظن واحد منها.
(13)”المسطرة الحديدية”
هذا نوع جديد خرج به السارد عن طعم ونكهة القصص التي سلفت. هذه المرة نجد أنفسنا أمام صراع الأعراف والحضارات.

استعراض كرنفالي تتكشف فوق ساحته نفسية الحقد الاستعلائي، ذلك الذي يسيطر على العقل الجمعي للحضارة الفرنسية.
حبكة سردية أحكمت تلفيف أحداثها وجعلت من حجرة قسم الدراسة مكاناً للتعرية، والكشف عن ذاك الداء المتحكم في حضارة فرنسية، أشبع عقلها الباطني بأوهام الاستعلاء واحتقار الحضارة العربية الإسلامية.

وكانت لفتة فنية، ذات إيحاء رمزي، تمثلت في التلميذ الذي أسقط ذلك الكبرياء الفرنسي المريض، إنها لغة مشفرة تفكك غموض رموزها قراءة لا تقف عند سطح المعنى الظاهري للسرد القصصي.
الأستاذ رمز للكبرياء الحضاري الفرنسي المريض بداء الاستعلاء وورم الميز العنصري للأعراق والقوميات.

التلميذ يحيا رمز للكبرياء الحضاري العربي الإسلامي الذي حتما سيظل يمتص آلام المقاومة الصامتة، إلى أن يأتي يوم الصرخة والانتفاضة. وحجرة الدراسة رمز لكل قطر عربي تعرض لسهام مريضة، مسمومة من قبل عقل حضاري تحكمه نفسية المرض والشذوذ.

والفرج والانتصار لا بد أن تأتي رياحهما بالبشرى، وهو ما عبّر عنه السارد بقرب انتهاء السنة الدراسية ، هذه القراءة التحليلية لهذه القصة، لا تدعي أن كاتبها قصد هذه النتائج، وأراد أن يسلك بنا هذه المسالك الرمزية وإنما هي قراءة مبدعة من طرف قارئ أحب أن يوصل رسالة تتعلق بموضوع الفن والإبداع ، وهي أن قراءة هذه النصوص الإبداعية لا ينبغي أن نفك شفرتها بقراءة ظاهرية ، غايتها الوصول إلى ما أراده منها مبدعها وإنما هي نصوص مدخلية، تكون منطلقاً، ليجعل منها جسراً إلى قراءات متعدّدة، لم يقصدها مبدعها، ولم تدر بخلده أثناء كتابته لها.

وتلك هي إحدى وظائف الفن والإبداع، يعلمان القارئ كيف يطور مهاراته ليصل إلى مستويات توليد الأسئلة، وإنتاج إشكاليات جديدة تتعلق بالوجود والحياة.

الفن أسمى من أن تبقى أدواره فقط في حدود ما قصده أصحابه ، وإنما الفن جسر، نعبر عليه نحو غاية توليد الأسئلة الكبرى وتنويع خصوبة قراءة وإبداع أفكار جديدة على هامش إيحاءاته وإضماراته.
(14)”موج غادر”
قصة استجمعت عناصر فن السرد القصصي، لغة حرة طليقة من أساليب التعبير، تلك التي يتخشب إيحاؤها بالنمطية، والمباشرة، إننا في هذه القصة، نجدها جنحت إلى صنعة السرد القصصي.
الحبكة أحكمت طوقها على فن تفجير أسرار المأساة من حدث واحد بعينه لكنه حدث زاخر بالأسئلة وتنويع لوعة الصدمة ونحن نمتص مفاجآت الحياة.

إلا أن الذي كان ينبغي أن يتفاداه السارد، تلك الأقواس التي فتها بعد رحيل الطفل.
كنت أود أن تنتهي تراجيع هذه القصة عند مشهد الرحيل الأبدي وتبقى صدمة اللوعة، وحدها تسامر عقل ووجدان القارئ ، تنتج فيهما الأسئلة والانثيالات العاطفية .

القصة القصيرة كلما تجاوزت شهوة الإطناب، وفتح الأقواس على هامش الحدث المركزي كان التألق أبهر وأقرب إلى ذلك الذي يفرح بصيرة الناقد.
كيف ما كان الحال، فإن هذه القصة تستحق أن تنتسب إلى ديوان القصص الناجحة شكلاً، لأن فنية السرد هي التي تعطي للمضامين تلك البصمة ذات الجمالية، التي هي سر روعة الفن.
(15)”تحرش”
إبحار في عوالم هذا الكائن اللغز، الذي يسمى الإنسان، مساءلة للشطر الضعيف في تكوين الإنسان، ومكاشفة لذلك الحرص الذي يأتي من جهة أنانيتنا، وتمزيق لأستار ضبابية، تحمي مظهر الإنسان بـالأوهام والحقارة، إنها قصة للتعرية، والكشف عن ذلك الذي يجعلنا نبرر الرذيلة وكأنها حقنا الطبيعي، وحين يحاكمنا الواقع بصرامة فضحه لما تجترحه أفعالنا من مهاوي السقوط في قاع الرذائل، تتدخل نفوسنا لتهدم أركان الكرامة في بنائنا الداخلي، وكل ذلك من أجل كبرياء لا يحسن حماية نقائه من الابتذال، ولا يطهر مواقفه من أجل متاع زائل.
والمفارقة الكبرى، التي تكشف عنها هذه القصة، أن هذا الإنسان اللغز، لا يعنيه من شأنه خروجه من الورطات، سوى تلك اللحظة التي يحصل فيها على البراءة الزائفة، وهو ممعن في الإصرار على ما تجترحه أفعاله من رذائل.
(16)”حروف تـرقـص”
حروف تـرقـص، أو ذكريات ترقص. إنها قصة يشترك في أدوار أحداثها خيال السارد وهو ينفتح على صفحة من صفحات ذكرياته مع أحداث من حياة مضت وموج من خيال أحد سكان مدينة القصر الكبير، هرب منه ظل الواقع وبقي له استرجاع الهذيان المرضي، يرجع إلى خياله ذاك الذي فر من أحلامه، ولم ولن يعود.

قصة أحكمت طوقها على فنية الاختزال، والتكثيف، وكذلك تكون القصة القصيرة، و أحكمت في آن أواحد معاً، فن غوصها في جوانب طقوس الانفلات المرضي من قبح الواقع، إلى رواق الخيال والتداعيات، ذاك الرواق الذي يبقى كرمه مغداقاً، لا يبخل على أوجاع مرضى النفس بمنحهم أحلاماً هي أمتع عندهم من واقعهم الصحي الذي فر من بين دفاتر أقدارهم.

قصة مفتوحة على دلالات أخرى، أحببت أن أكتفي بهذه الإشارات المكثفة ، جريا على نهج السارد ، في هذه القصة الموفقة .
(17)”آخر همسة”
ما أريـد التنبيه إليه في هذه القصة، أن السارد وإن جاء من حقل معرفي غير مجال الأدب، فإنه أفلح، وتلبسه حاذي أمواج الفن والإبداع. ها هو يترقى وأنا أتابع خطواته، لست مشغولا بنوع الأفكار والمواضيع التي يطرقها في أعماله بقدر ما أنا مشغول بامتلاكه أسرار حرفة وصنعة السرد القصصي ، ها هو أجده في هذه المجموعة، قد بدأ يبصم رسوخ القدم الفني ، وصارت قفزاته تتألق ، وتقترب إلى ما يرجى منه ، قصة استجمعت خصائص القصة القصيرة بناء ولغة، أما مضمون هذه القصة فإنني أحببت ألا أقربه بـالتشقيق والتحليل، شغلت عنه بفرحة ظفري بما أحرزه السارد من تألقات واعدة في مجال السرد القصصي، فأرجو أن أظفر في يوم ما بما هو أبهر وأجمل وأحكم لأدوات الصنعة السردية، على نهج الكبار في هذا المجال ، وذلك ليس بمطمع بعيد ، إذا توفر عناد الصمود، وصقل الموهبة بالتجربة المستمرة، والقراءة الواسعة لـحقول الفكر والمعرفة.
(18)”رعب صامت”
وهذه… هذه… هي أيضاً أحكمت طوقها على أدوات الحكي السردي، لكنني هنا هذه المرة أريد أن أكتفي بالنبش فيما وراء ظاهر مضمون هذه القصة، وأسائل ذلك الهارب ، حقائق يأبى الفن إلا أن يخفي مفاتيحها وراء البناء الفني والشكلي لصنعة التركيب الإبداعي للغة والأدب .
إنه لغز في النفس البشرية، في تعاطيها مع قضايا الحياة وشؤون الميتافيزيقا ، وهنا في هذه القصة، اختار السارد أن يزيح بعض أستار هذه النفس، فمزق من خلال هذه القصة واحداً من تلك الأستار، فتراءى أمامنا خط القوة والضعف في تركيب هذا الكائن البشري، شخص يخشى الموت إلى درجة الرهاب والفزع الذي يفقده توازنه. وشخص يستقبل خبر الموت كما يستقبل أفراح الحياة.
إنه نسق متكامل من التناقضات يحكم زناده على إرادة ودوافع أفعالنا.
ومن هنا، ينبغي أن نتذكر هذه الحقيقة على الدوام، لا شيء نمطي، أو مطلق، أو نهائي في خط الدوافع المتحكمة في أفعال الإنسان.
هذا وجه من أوجه التحليل والقراءة التفكيكية لما لم تفصح عنه هذه القصة. وتبقى أوجه أخرى رهين
كشفتها بشساعة الخيال والقدرة على تنويع قراءة النصوص الأدبية.
(19)”مدينة نازحة”
وهذه القصة شفرة مفتاحها ملغزة ، والسارد هنا، لم تسمح له جغرافية هذه المساحة الإبداعية أن يمنحها أسرار تلك الشفرة لذلك ظل في حدود هذه النكبة التي أصابت مدينة التاريخ والصمود ، وهو أي السارد لا يلام، لأن طبيعة هذه النكبة أكبر من أن تنفتح أسرار شفرتها في قصة قصيرة.

رغم ذلك حالفه حظ التوفيق من جهة مفردات البناء الاختزالي واللغة المفجوعة بلوعة الألم وتباريح الرعب، جراء محنة كبيرة أصابت مدينة على حين غرة.

إنها محنة في أعماق تباريح نكبة، لكن مأساة الإنسان، في أغلب مواقفه أنه سرعان ما ينسى دروس المحنة، وما تنطوي عليه النكبات من عبر.
(20)”ما تبقى من قبلة أم”
ختمت هذه المجموعة بقصة تلامس موضوع الظلم والأمن، وحق الإنسان في أن يعيش أجواء الشعور، بالحرية والكرامة، كما يرسمها هو لا كـما ترسمها أصوات البنادق والمدافع.

إنه أدب الدفاع عن حق الشعوب في أن تعيش في أوطانها من غير أن تطرد منه بأصوات المدافع، ومقاصف الطائرات. وهنا يجب الحذر، من فخ التحيز لنظام شعوب قوميتنا، وتجاهل القوميات الأخرى، التي تعيش نفس الوضع وينتظرها نفس المصير.
الفن والأدب، مزاميرها مفتوحة على أوجاع ومآسي الإنسانية، بغض النظر عن قومية هذا الإنسان، أو ذاك. والإبداع يبصم خطوط العبقرية والخلود، حين تحرره من داء التحيزات وانخراطه في خطوط مآسي الإنسان باعتباره إنسانا فحسب.

وهنا، في هذه القصة، لغتها متوسلة بأدوات التركيب السيكولوجي، وإيحاؤها يشجب ويدين كل اعتداء يرهب، ويسلب حق الإنسان في أن يعيش أمنه في وطنه.

لكنها مأساة ستظل بوجود الإنسان فوق مسرح الحياة، لأن أصوات الجشع، والظلم، والحيوانية، لا يسكتها صوت الأدب والفن، مهما تألق، وبلغ الكمال النسبي في التنديد بهذه الأصوات البشعة، التي تدفعنا إلى إحداث المآسي، والمظالم، فوق أرض الحياة.

وهذا لا يعني اليأس، أو إسقاط ألوية التبشير بالتحرر، من نظائر هذه الجرائم، وإنما هي لفتة لترسيخ مبادئ الواقعية في دوافعنا، لكي نقوى على مواصلة الحياة مهما كانت قسوة الظروف وفجائية الأقدار ذات الطعم المر.

وبهذه القصة أنهي هذه الجولة في الهوامش، والأطراف من القضايا التي اشتغلت عليها هذه المجموعة.
رجاء، وأمل، وانتظار، لطفرات جديدة، وناجحة، ومتألقة، يأتينا دهش سطوتها الفنية في أعمال مقبلة لسارد هذه المجموعة – الأستاذ أحمد العبودي ، وبالله التوفيق.

مصطفى الجباري
القصر الكبير
ماي 2026

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading