
ذ : نبيل اليعكوبي
تعد حرية التعبير ركيزة أساسية في بناء المجتمعات الديمقراطية، وهي حق أصيل كفلته المواثيق الدولية والدساتير الوطنية. ففي المغرب، وبعد اعتماد دستور 2011، الذي نص صراحة على ضمان حرية الفكر والرأي والتعبير بكل أشكالها كان هناك أمل في ترسيخ هذه الحريات. إلا أن الواقع الميداني، كما يتجلى في بعض القضايا بمدينة القصر الكبير، يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام الممارسة القضائية بهذه المبادئ الدستورية، ويطرح إشكالية تراجع حقوقي قد يهدد بتقويض مكتسبات دستورية مهمة.بحيث تُبرز قضيتي الناشطين (م ش) و(ع ن) في القصر الكبير هذا التناقض الصارخ بين النص الدستوري والممارسة القضائية. فقد حُكم على الأول بسنتين حبساً نافذاً، بينما حُكم على الثاني بسنة حبساً نافذاً وغرامة مالية، وتأتي هذه الأحكام على خلفية شكايات تقدم بها برلماني ورئيس جماعة القصر الكبير، (وهي سابقة في تاريخ المدينة والمسيرون للمجالس الجماعية لم يفعله احد قبله)، بتهم تتعلق بـ”السب والقذف والتشهير، ونشر وترويج إشاعات كاذبة، والتحريض عبر الوسائط الرقمية”
وقد ارتبطت هذه التهم بتدوينات وفيديوهات نشرها الناشطان على مواقع التواصل الاجتماعي، تنتقد ما يعتبره الكل فساداً وسوء تدبير في الشأن المحلي للمدينة.
ثم إن هذه المتابعات القضائية، التي تستند غالباً إلى فصول من القانون الجنائي تتعلق بالتشهير أو إهانة موظف، تثير مخاوف جدية لدى المنظمات الحقوقية والمثقفين. ففي الوقت الذي يدعو فيه المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى تعزيز حماية حرية الرأي والتعبير والتوقف عن متابعة الأشخاص قضائياً بسبب آرائهم، يبدو أن هناك توجهاً نحو استخدام القوانين الجنائية لـ”تكميم الأفواه” وإسكات الأصوات المنتقدة، خاصة تلك التي تفضح الفساد وسوء التدبير. هذا التوجه يتنافى مع روح دستور 2011 الذي جاء ليعزز دولة الحق والقانون ويضمن الحريات الفردية والجماعية.
وإن تداعيات مثل هذه الأحكام لا تقتصر على الأفراد المعنيين فحسب، بل تمتد لتشمل المجتمع بأسره. فعندما يُعاقب المثقفون والنشطاء على تعبيرهم عن آرائهم، حتى لو كانت مخالفة وانتقادية، فإن ذلك يخلق مناخاً من الخوف والرقابة الذاتية، ويحد من مساحة النقاش العام الضرورية لأي مجتمع يسعى إلى التقدم والإصلاح. وبالتالي يصبح السؤال هنا ملحاً:
من سيحمي الحق والقانون إذا سكت المثقفون والحقوقيون خوفاً من الملاحقة؟
إن دور المثقفين والحقوقيين في أي مجتمع هو تسليط الضوء على الاختلالات، والدفاع عن الحريات، ومحاسبة المسؤولين. وعندما تُقيد حركتهم وتُكمم أفواههم، فإن ذلك يفتح الباب أمام تفشي الفساد وسوء التدبير دون رقيب أو حسيب. إن ما يحدث في القصر الكبير، من خلال قضيتي (م ش)و (ع ن)، يمكن اعتباره مؤشراً على “ردة حقوقية” أو على الأقل محاولة لتقليص هامش حرية التعبير الذي ناضل من أجله المغاربة طويلاً.
من خلال هذا يجب على الدولة، بمؤسساتها القضائية والتشريعية، أن تراجع هذه الممارسات وأن تضمن تطبيقاً سليماً للدستور، يحمي حرية التعبير ولا يستخدم القوانين الجنائية كأداة للانتقام من الأصوات المنتقدة. فالحق في التعبير عن الرأي، حتى لو كان مزعجاً للسلطة، هو صمام الأمان لأي مجتمع ديمقراطي، وهو السبيل الوحيد لمحاربة الفساد وتحقيق التنمية الحقيقية والعبور نحو دولة الحقوق والحريات دستوريا وتطبيقا.