مسرحية فوق خشبة اعدادية المنصور الذهبي

24 أبريل 2026


—- محمد الجباري

ياسمين، ابنتي الصغيرة، تعود إلى البيت اليوم بابتسامةٍ أكبر… بفرحٍ يكاد يمنحها جناحين تطير بهما بدل المشي…
لاحظ كلُّ من في الدار هذا التغيير، وصار الجميع ينتظر أن تنطق، أن تُفصح عمّا في خاطرها… وربما كان كلٌّ منا يتمنى أن يلتقط من عينيها شيئًا من تلك السعادة
ما أجمل أن تصيبك عدوى الفرح!
لكن الصغيرة لم تلتفت لأحد…
أسرعت خُطاها، كأنها تهرب من الجميع إليّ أنا…
ثم ارتمت بين ذراعيّ، طوّقتني بذراعيها الغضّتين، ورفعت عينيها إلى عينيّ…
لم يعد يفصلنا شيء سوى أنفاسها… وقليلٌ من الهواء…
قالت، وهي تكاد تقفز من بين الكلمات:
“بابا، لقد تم اختياري لأكون بطلة مسرحية في حفل نهاية السنة الدراسية بعد شهرين!”
ثم أخرجت من محفظتها نصّ المسرحية…
كانت فرحتها أكبر من الورق… وأكبر من الكلمات…
كانت تمثّل أمامي دون أن تدري…
تفوقت على زميلاتها في التشخيص والتعبير، كما قالت… لكنني كنت أرى ما هو أبعد من ذلك…
آه يا ابنتي…
في زمن غابر، كنتُ أقف على عتبة الحلم نفسه…
لم يكن قد مضى إلا أقل من سنتين على التحاقي، أنا وبعض الزملاء من مدرسة مولاي رشيد الابتدائية، بالإعدادية المنصور الذهبي…
وكنتُ لا أزال غارقًا في دهشة البدايات…
فكل شيء هناك كان جديدًا… مختلفًا… أكبر مما اعتدناه…
وفجأة، بدا لنا أن الإعدادية كلها تستعد لحدثٍ غير عادي…
حركةٌ في كل مكان… وجوهٌ منشغلة… وأيادٍ تعمل…
كان عيد العرش، الثالث من مارس…
لم يكن مجرد مناسبة وطنية تُخلّد ذكرى جلوس الملك الحسن الثاني على العرش…
بل كان ورشًا مفتوحًا للحياة… للأدب… للفن والابداع
وكان على إعداديتنا أن تكون في مستوى الحدث…
تلاميذ السنة الثالثة والرابعة يرسمون ويبدعون على الجدران…
فريقٌ يتدرّب على العزف والأناشيد…
وآخر يُسمح له بمغادرة حجرة الدرس ليتمرّن على المسرح…
أما نحن، تلاميذ السنة الأولى والثانية… فكنا نكتفي بالمشاهدة…
لا أدري لماذا كان يسكنني إحساسٌ غريب…
كأن تلاميذ السنة الرابعة ليسوا مثلنا… كأنهم أقرب إلى الأساتذة منهم إلى التلاميذ…
كنت أنظر إليهم بشيءٍ يشبه الرهبة…
إلى أن وُلدت تلك الفكرة…
لا أدري كيف… ولا متى… ولا لماذا…
“لماذا لا نجرّب نحن أيضًا؟
لماذا لا يكون لنا مسرحنا؟
خصوصًا ونحن – أنا وفؤاد السفريوي وسعاد مشكور وقمر الرافي- نمثل أصلًا ضمن أنشطة دار الشباب؟”
كانت فكرة صغيرة في رأسي…
ثم، في وقتٍ قصير، صارت تسكن رؤوسًا أخرى…
حاولنا إقناع أساتذتنا… لكن الأبواب كانت تُغلق بهدوء…
قيل لنا إن الفرق المسرحية تشكّلت بالفعل، وقطعت أشواطًا لا بأس بها…
لكننا لم نتراجع…
قلنا: لنذهب أبعد…
قررنا، بجرأةٍ لم نكن نعرف أننا نملكها، أن نطرق باب المدير…
سي حسن بنجلون…
طرقنا الباب برفق…
لكن قلوبنا كانت تضجّ بقوة داخل صدورنا…
كان الرجل، كما بدا لي، مزيجًا غريبًا من الصرامة والحنان…
تخافه من ملامحه… وتطمئن إليه من عينيه…
وإلى اليوم، لا أدري: هل كان ينبغي أن أخاف… أم أن أشعر بالأمان؟
استمع إلينا…
لم يرفض الفكرة…
بل كان يؤمن، مثلنا، أن المدرسة فضاء للثقافة والفن…
لكنه تردد قليلًا… لم يكن متأكدًا من وجود مكانٍ يليق بنا…
خرجنا بشيءٍ يشبه الأمل…
لكن الأمل سرعان ما تعثّر…
حين أخبرنا السيد الحارس العام أنه لا يوجد أي مكان شاغر لفرقتنا الصغيرة…
وكنا على وشك المغادرة…
على وشك أن نبتلع خيبتنا…
قبل أن يقول، كمن يلقي بذرة في أرضٍ متعبة:
“هناك… تحت الدرج المؤدي إلى الطابق الثاني… فضاء صغير يمكنكم أن تتدرّبوا فيه.”
ربما قالها دون أن يتوقع شيئًا…
لكن بالنسبة لنا… كانت تلك بداية الحلم…
قبلنا… دون تردد…
ومنذ ذلك اليوم…
صرنا نُعرف- بسخرية- بفريق “الدَّرَج”…
لم يكن ذلك المكان البئيس هو الشيء الوحيد الذي نعاني منه…
فالأصعب من ضيقه أننا للأسف لم يكن لدينا أستاذ يؤطّرنا ويشرف على تدريباتنا…
كنا كنبـتةٍ بريةٍ أينعت خارج الحقل…
وأجمل الورود… كثيرًا ما تُولد في البراري… لا في الحدائق المحروسة

استمرت تدريباتنا أيامًا…
إلى أن جاء اليوم الذي ستشاهد فيه لجنة المؤسسة كل الفرق، لتختار المسرحية التي ستُعرض أمام السلطات المحلية يوم الحفل…
كان كل أستاذ يقدّم فريقه أمام اللجنة…
وكنا نحن ننتظر…
وبعد كل عرض، كنت أتوجه إلى الأستاذ رئيس اللجنة، وأسأله أن نعرض نحن أيضًا مسرحيتنا…
فيجيبني، بنبرة مطمئنة:
“ربما… بعد العرض القادم.”
لم تكن تخيفني من كلماته إلا تلك الكلمة الصغيرة… “ربما”…
كنت أعود، وأعيد المحاولة…
فتعود “ربما” لتطفئ الحلم مرةً أخرى…
إلى أن أدركت أن جرس الإعدادية سَيُعلن بعد لحظات نهاية اليوم الدراسي…
ومعه… نهاية المغامرة… ونهاية الحلم…
هذه المرة، لم أتجه إلى الأستاذ…
بل قصدتُ مباشرة السيد المدير…
تفاجأ لرؤيتي، وسألني:
“ماذا تفعل هنا؟”
أجبته بشيءٍ من الحياء:
“أنا وزملائي… نمثل فرقة تحت الدرج…”
سألني:
“وأي أستاذ يشرف عليكم؟”
قلت، بجرأةٍ فاجأتني أنا نفسي:
“لقد تدربنا لأيام على مسرحية… ونود أن نعرضها أمام اللجنة.”
نظر إلى ساعته…
كان الوقت قد حان فعلًا لانتهاء اليوم الدراسي…
لكنه قال بعينيه قبل لسانه:
“هؤلاء… يحق لنا أن نشاهدهم.”
بدأ العرض…
تمويجٌ موسيقي بديع…
وصمتٌ كامل…
لم ينطق أحد منا بكلمة…
حتى صارت القاعة كلها صامتة… تنتظر… كما تعلمنا في حصص التدريب…
كان الزملاء رائعين…
وكان العرض قويًا، منسقًا، سلسًا… ومؤثرًا…
وما إن انتهينا…
حتى امتلأت القاعة بالتصفيق…
التفتُّ…
فوجدت سي حسن بنجلون يعانقني… ويهنئني…
في رحلة العمر هذه، مررتُ بمحطات نجاح كثيرة…
وسمعت تهاني لا تُحصى…
لكن تهنئة السيد المدير…
كانت، وما زالت، الأجمل…
شيءٌ منها… ما زال محفورًا في داخلي

وتم اختيار مسرحيتنا لتكون العمل الذي سيُعرض أمام السلطات وضيوف المؤسسة…
++++++++++
وقفتُ خلف الستار…
أسترق النظر إلى الجمهور…
أساتذتي… بعض الآباء… وجوه لا أعرفها… وعيون كثيرة تنتظر…
عندها فقط شعرتُ بثقل اللحظة…
جفّ حلقي… وارتجفت يداي…
وفكرت، لوهلة، أن أهرب…
لكن… من أجل زملائي… لم أفعل…
رُفع الستار…
وأنا أتلصص على وجوه الحاضرين من خلف الستار…
وقعت عيناي على شيءٍ لم أكن أنتظره…
كان هناك…
شقيقي الأكبر… سي الطاهر الجباري…
في تلك اللحظة…
تمنيت لو أن الأرض تنشق وتبتلعني…
لم يعد الأمر مجرد عرض…
لم يعد خوفي مني أنا…
صار خوفي عليه هو…
أي تعثر مني…
أي ارتباك…
لم يكن لي وحدي… بل للعائلة كلها…
وكان يعزّ عليّ…
أن أرى في عينيه حرجًا…
حرجه…
كان يؤلمني أكثر من حرجي…

وحين انتهى الحفل…
وجاء السيد المدير ليخبرني أن الباشا والضيوف يرغبون في الحديث معي وتقديم تهنئتهم…
لم أكن أرى كل تلك الوجوه…
كنت أبحث عن عينٍ واحدة فقط…
عين شقيقي…
في صباح اليوم الموالي رأيتُ سي حسن بنجلون يبحث عني…
اقترب مني، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي لا تُنسى…
وأخبرني أن المسرحية تم ترشيحها لتُعرض في قاعة سينما أسطوريا في الحفل الذي تنظمه المدينة بعد أسبوع!

التفتُّ إلى ياسمين…
ابتسامتها ما زالت هناك… تكبر… وتضيء…
قلت لها بهدوء:
“ابنتي ياسمين… ليس مهمًا إن كان دورك في المسرحية كبيرًا أو صغيرًا…
المسرح فنٌّ رائع… يجب أن تعيشيه بقلبك وإحساسك…
وحتمًا ستنجحين…
حتى لو كان مكان التدريب… تحت الدرج.
محمد الجباري
هولندا أبريل 2026

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading