
د. حسن اليملاحي
بداية وجب الاعتراف أنني لم أكن حاضرا في القصر الكبير،
زمن الأحداث المتسارعة التي شهدتها المدينة بفعل تساقطات الأمطار الغزيرة، وما رافق ذلك من ارتفاع لمنسوب نهر اللكوس، وزحفه نحو المدينة رويدا رويدا بفعل قوة وكثافتها ،لكنني كنت حاضرا قلبا وقالبا لأنه لي في المدينة أم وأب وأخ وأسرة صغيرة وعائلة كبيرة تجمعني بهم روابط الدم مثلما تجمعني ببعض الأصفياء والصفيات من أبناء المدينة لأن العيش بعيدا عن القصر الكبير يلقي بك في غياهب النسيان.
كيف لا أفكر في هذه المدينة وأفك ارتباطي بها ، وهي التي احتضنتني لسنوات طوال بعد أن افترشت أرضها المعطاء والتحفت سماءها الدافئة، وشربت من مائها الزلال، وأكلت من ثمارها الطازجة وطيباتها اللذيذة، وسبحت في نهرها الأسطوري الذي تتفرع عنه أنهر البناتيين التي يوجد على ناصية ابن العباس، والواد الجديد الذي يرقد على الطريق المؤدية إلى الرباط، وزد على ذلك دار الطلياني وما أدراك ما دار الطلياني، وجميعها فضاءات نهرية تغري بالسباحة والقفز من علوها في عز الصيف مثلما تغري الصيادين ممن يحلمون بالقبض على الأسماك النهرية الطرية من بوري ومبروك وشابل. والآن ، فقد جفت الأنهر بعدما جفت القلوب، ولم يعد في النهر لا سمك ولا هم يحزنون.
في ظل هذه الأزمة، كنت دائم الاتصال بوالدي لمعرفة أحوالهما والاطمئنان عليهما. لا أخفي أني كنت متخوفا مما قد يحدث أولا يحدث، وأنا أتحدث إلى أمي وأبي. ومصدر هذا الخوف عندي يعود بالأساس إلى ما ترسب في أذهاننا من حكايات أسطورية عن هذا التنين المرمري ( نهر اللكوس) الذي يلف المدينة من الجهة الشمالية والجنوبية، إلى جانب قصاصات الأخبار التي كانت تصلنا تباعا نحن أبناء القصر الكبير إما من بعضنا البعض نحن الذين نعيش في الشتات أو عبر السوشيال ميديا والمواقع الإلكترونية ، وجميع هذه الوسائط تجعل سكان المدينة في قلب الحدث لحظة بلحظة وساعة بساعة .
ومع استمرار الأمطار التي أغرقت بعض أحياء المدينة بفعل انسداد الميازيب وصغر سعة قنوات الصرف الصحي، وأمام نشاطات الأودية الفرعية ( وارور وغيرها ) التي تصل نهر اللوكوس من خارج المدينة ، امتلأت حقينة هذه المنشأة كليا، وهو ما زاد من ترقبات وتخوفات سكان المدينة، خاصة مع النزول الميداني للدولة المغربية بكل ثقلها عبر سلطات عمومية وشرطة وقوات مسلحة ملكية ووقاية مدينة ودرك ملكي وقوات مساعدة ومجتمع مدني وبعض الإرادات الفردية الأخرى. ومع استمرار تهاطل الأمطار بغزارة ، ولأسباب تقنية وأمنية كان تفريغ مياه سد وادي المخازن يتم بشكل تدريجي بعد امتلاء حقينته بنسبة تقدر بحوالي من % 156، وهو ما مهد لإخلاء بعض الأحياء المهددة بخطر الغمر بالمياه التي أصبحت تزحف رويدا رويدا – مثل أفعى عمياء – عبر حركات ونشاطات النهر المحاذي لها من الجهة الخلفية وهو ما أجبر سكان هذه المناطق على مغادرة بيوتاتهم في اتجاه المخيمات التي نصبتها القوات المسلحة الملكية أو المدن المجاورة طلبا للأمان وحفاظا على الأرواح. لقد كان القلب يعتصر ألما وأنت تشاهد أبناء بلدتك من آباء وأمهات وأطفال صغار ونساء يغادرون منازلهم فرادى وزرافات في اتجاه المجهول، يتأبطون بعض الأوراق الثبوتية وما وجدوه من مستندات رسمية وهم يجرون حقائبهم المتعبة، بعد أن تركوا من ورائهم دفء المكان وألف حكاية وحكاية.
ومع ارتفاع مؤشر الخطر، انتقلت والدتي – بإلحاح منها – إلى حي دوار العسكر للإقامة بين خالي وبناته، وبعد ذلك إلى ريف تطفت القصر الكبير ، أما والدي فقد سافر إلى طنجة وأخي إلى مرتيل. وبهذا الانتقال، تكون أسرتي قد غادرت المدينة بعد أن استودعتها الله. وعلى الرغم من هذا، تجدك متشظيا وأنت تتابع نشرة أخبار القناة الأولى. وكم كنت تتطلع بنظرك وأنت ترى شوارع المدينة تتراقص أمامك بفعل زحف الماء ومعها بعض الأحياء الغارقة في الماء من الماء إلى الماء، وهي نفس الفضاءات التي ارتبطت بها وعبرتها ذات سنوات مرحا وهونا نظرة وسرورا، ناهيك عن أقرانك أو زملاء وزميلات الدراسة ممن فضلوا العيش في المدينة، تراهم يدلون ببعض التصريحات لهذه القناة أو تلك، كنت ترى نفسك في أنفسهم وصورتك في صورهم وفي هذا أمر وذكرى.
بعد مرور أكثر من أسبوعين ، بدأت أحوال الطقس تتحسن وتراجعت حدة الأمطار وتراجع معها مؤشر الخطر، وبعد أن هدأت الأنفس والقلوب، بدأ الحديث عن العودة إلى القصر الكبير من خلال بلاغات السلطات المحلية ومعها حتى الصحافة المرئية منها والمسموعة. العودة من مدن كانت لهم فيها سلاما وطمأنينة .لا أخفي أنك عشت نفس الفرح العارم بعودة أسرتك إلى المدينة وفرح عودة أبناء إلى القصر الكبير سواء على متن الحافلات أو القطارات التي وفرتها السلطات العمومية وغيرها من باقي الوسائل الأخرى، وهم الذين رابطوا بتباث وعزم ولزموا المخيمات ومدن الاحتضان بشجاعة كبيرة ونكران للذات وتعاون في ما بينهم مراعاة للمصلحة العليا للوطن. حقا لقد كانت تجربة استثنائية عاشها سكان أبيدوم نوفوم بعيدا عن المدينة الأم بصبر وأناة.
وهنيئا للجميع بتجاوز هذه المرحلة بسلام، وسيكتب التاريخ هذه المحطة للأجيال القائمة.
- عنوان قصيدة، وردت في ديوان رماد هسبريس. للشاعر محمد الخمار الكنوني.