لا أنام “غيض من فيض” الجزء الثاني : (ذاكرة الفيض القصر الكبير في مرآة الفيضان الحلقة : 20.

منذ 3 ساعات
Oplus_131072

الأستاذة :سمية نخشى
حين أفكر في كل هذا تومض في ذاكرتي صفحة من الماضي البعيد الذي يعود لشهر فبراير من سنة 1974 حين كنت تلميذة بالسنة الثانية إعدادي بالثانوية المحمدية ، ذات حصة صباحية مع استاذ اللغة العربية المرحوم السي عبد القادر واية الذي كانت حصصه تطربني قبل أن تعلمني كسمفونية تتراقص معها الأفكار و المشاعر معا ، إذ بطرق على باب القسم ليدخل الفاضلان المرحومان : السي عبد السلام بنمسعود و الحارس العام آنذاك السي العماري، فيتم إخبارنا ، نحن التلميذات، بالزيارة الملكية المرتقبة للمرحوم جلالة الملك الحسن الثاني ، لمدينتنا بمناسبة وضع حجر الأساس لسد واد المخازن ، ثم يتم اختيارنا ، أنا و صديقتي ثريا الغافقي (حاليا حرم الاستاذ الفاضل سي محمد الحجوي )لنكون ضمن كورال الثانوية الذي سيستقبل جلالته عند مدخل قصر البلدية .
و فعلا ، واظبنا على التدريبات التي كانت تنظم إما داخل أحد الأقسام أو بالمركز الثقافي ، و التي تضمنت أناشيد وطنية ، وصلات أندلسية و موشحات شامية ، إلى أن كان الاستقبال في شهر مارس الموالي، تزامنا مع عيد العرش المجيد ، و قد ارتدينا أجمل ما نملك من ملابس تقليدية .
أما تدشين السد فكان سنة 1979. و ظل الحدث مصدر اعتزاز و فخر لي ، أسس لعلاقة وجدانية بيني و بين السد ، كيف لا و قد شاركت في الاحتفال بوضع لبنته الأولى.
لم أكن لأنام و أنا استحضر حديث والدتي عن فيضان سنة 1963 الذي كاد يودي بحياتنا ، أنا و هي ، فقد كانت في الحمام التقليدي حين غمرت مياه النهر الثائر الأحياء و الدروب ، و عند خروجها كان منسوب المياه مرتفعا يبلغ مستوى صدرها ، لكن اللطف الإلهي ساق لها أحد الجيران ، حملني و رفعني عاليا ، أنا الرضيعة في سنتها الأولى ، بينما تمسكت والدتي بطرف جلبابه إلى أن أوصلها لبيت عائلتها في حي” النيارين ” آنذاك .
كما أتذكر انه في هذا الفيضان ، جرفت المياه المرحوم ” المليكي ” المالك السابق للمكتبة التي توجد في مدخل “العطارين “، وأصبح غرقه موضوع أغنية يرددها أهالي المدينة ، مطلعها ” يا المليكي يا اللي داه الما ” و كأن النهر كان يطلب قربانا يهدىء ثائرته.
لم أكن لأنام و انا أراني طفلة صغيرة و تلميذة في مدرسة ابن خلدون ، أوائل سبعينيات القرن المنصرم ، حين سمعنا و نحن في القسم صافرة الإنذار منبعثة من البلدية ، منذرة باقتراب المياه ، فخرجت أركض لا ألوي على شيء و حين اقتربت من ضريح مولاي علي بوغالب كان الماء يحيط بخاصرتي . حينها لم أفهم شيئا على الإطلاق ، لكنني كنت أصارع لأصل إلى منزلنا بساحة مولاي المهدي .
آخر عهدي بمشاهد الفيضان كان سنة 1976، كنت أقف ليلا مع والدي في شرفة بيتنا ننظر للمياه المتدفقة و نتابع مواقف مضحكة مبكية في نفس الوقت لشباب يركبون الأحواض البلاستيكية ( البانيو ) و يجدفون و آخرون ينادون بأعلى صوتهم بأسماء بعض الأحياء مثل : سكرينيا ، كاشطرومان……. و كأنهم وسائل نقل يعرضون خدمة نقل الأشخاص لمنازلهم بحملهم على الأكتاف.
هذا مختصر ما راكمته ذاكرتي عن فيضان القصر.
ستة عشر يوما من النزوح كانت كافية لنعرف مدى ارتباطنا بمدينة تسكننا، و لندرك ان أرواحنا معلقة بهوائها، بترابها ،بدروبها، بأضرحتها ، بمآذنها……. و لنكتشف ، عبر شاشة التلفزيون انها جميلة ، نظيفة ، هادئة و شوارعها واسعة و كأن سلوكات الساكنة هي التي تؤذيها و تضفي عليها الفوضى و القبح و مظاهر التلوث السمعي البصري التي نتذمر منها .
و ها أنذا اليوم أنام بعد أن شملتنا الألطاف الإلاهية و عدت إلى مسكني و استعدت سكينتي.
فحمدا لله و شكرا للمساعي الحميدة .
اللهم احفظ مدينتنا و احرسها بعينك التي لا تنام.
سمية نخشى 4 مارس 2026.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading