بين الوقاية والكارثة: هل تستحق القصر الكبير صفة ” منطقة منكوبة”؟

11 فبراير 2026
Oplus_131072
  • بقلم : ذ . أحمد اولاد الصغير
                 ذ. محمد جردوق

عرفت مدينة القصر الكبير خلال الأيام الماضية وضعاً استثنائياً بفعل ارتفاع منسوب المياه والتهديد المحتمل للفيضانات، ما دفع السلطات إلى اتخاذ قرار إخلاء احترازي للسكان وتفعيل تدابير وقائية واسعة النطاق. وقد رافق هذه التطورات نقاش عمومي متصاعد حول مدى أحقية المدينة في أن تُعلَن “منطقة منكوبة” وفق القانون المغربي.

إن القانون رقم 110.14 المتعلق بتغطية عواقب الوقائع الكارثية يعرّف الواقعة الكارثية بأنها حدث ناتج عن عامل طبيعي أو فعل عنيف للإنسان، يترتب عنه ضرر جسيم وواسع النطاق يتجاوز القدرة العادية للأفراد أو آليات التأمين التقليدية على التحمل.
وبذلك، فإن تحقق الكارثة قانوناً يستوجب توافر عناصر واضحة:
وقوع حدث فعلي وليس مجرد احتمال.
تسجيل أضرار جسدية أو مادية جسيمة.
اتساع نطاق الضرر.
عدم كفاية الوسائل العادية للتدخل.
في الحالة الراهنة للقصر الكبير، نحن أمام وضعية خطر محتمل جرى التعامل معه بإجراءات استباقية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو أضرار مادية جسيمة بالمساكن. وهو ما يضع المدينة في دائرة التدبير الوقائي، لا في نطاق الواقعة الكارثية المكتملة الأركان.
* من يملك صلاحية إعلان المنطقة منكوبة؟
إعلان واقعة كارثية لا يتم بضغط الرأي العام ولا بتوصيف إعلامي، بل بقرار رسمي يصدر عن رئيس الحكومة وينشر في الجريدة الرسمية، بعد تقييم تقني وإداري دقيق. وبدون هذا القرار، لا تكتسب أي منطقة صفة “منكوبة” بالمعنى القانوني.
وعليه، فإن المطالبة بالإعلان ينبغي أن تستند إلى تحقق الشروط الموضوعية، لا إلى التخوف من سيناريو محتمل لم يقع.
* هل إعلان الكارثة يعود بالنفع العام؟
من الناحية القانونية، إعلان الواقعة الكارثية يهدف أساساً إلى تفعيل نظام تعويض لفائدة الأفراد المتضررين، سواء عبر شركات التأمين أو عبر صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية. أي أن أثره المباشر تعويضي وفردي، وليس تنموياً أو اقتصادياً عاماً.
في المقابل، قد يترتب عن الإعلان ــ إذا لم يكن مبرَّراً بضرر فعلي جسيم ــ آثار غير مباشرة، منها:
ترسيخ صورة مدينة معرضة للخطر.
تخوف استثماري محتمل.
تأثير نفسي واجتماعي على الساكنة.
انعكاسات على القيمة العقارية.
فالمدن لا تحتاج فقط إلى حماية من المياه، بل تحتاج أيضاً إلى حماية صورتها وثقة أبنائها فيها.
* بين الوصم والاعتزاز
إن التدخل الاستباقي الذي شهدته القصر الكبير يعكس نموذجاً في تدبير المخاطر قبل تحولها إلى كوارث. فقد تم:
إخلاء السكان احترازياً.
توفير النقل والمأوى.
تعبئة المجتمع المدني.
معالجة الحالات الصحية والغذائية في إطار تضامني واسع.
هذه المعطيات، في حال عدم تحقق ضرر جسيم، يمكن أن تُقرأ كنجاح في إدارة الأزمة، لا كمؤشر انهيار. بل قد تشكل نموذجاً وطنياً في الوقاية والتنسيق المؤسساتي.
وفي سياق أحياء عانت تاريخياً من هشاشة عقارية أو وصم اجتماعي، مثل بعض الأحياء التي كافحت لتغيير صورتها، فإن تغليب خطاب “المدينة المنكوبة” قد يعمق الإحساس بعدم الاستقرار بدل دعم مسار الإصلاح والتنظيم.
* المصلحة العامة أولاً
الدولة، في تقديرها القانوني، تنظر إلى الصورة العامة لا إلى حالات فردية معزولة. ولا يمكن تغليب الرغبة في توصيف رمزي أو سياسي على مقتضيات النص القانوني وروحه.
فالاقتراب من الكارثة لا يعني الوقوع فيها.
والنجاح في تفاديها ليس فشلاً، بل هو نجاح مؤسساتي ومجتمعي.
القصر الكبير اليوم ليست في حضن الكارثة، بل في دائرة الوقاية منها. وإذا كانت الشروط القانونية للواقعة الكارثية غير متحققة، فإن عدم إعلانها منطقة منكوبة يظل منسجماً مع النص وروحه.
وفي المقابل، يمكن تحويل هذه المرحلة إلى لحظة اعتزاز جماعي:
مدينة واجهت الخطر بتنظيم،
ومجتمعاً مدنياً كان شريكاً لا متفرجاً،
ودولة تدخلت قبل فوات الأوان.
فالمدن لا تُقاس فقط بما يصيبها،
بل أيضاً بما تنجح في تفاديه.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading