
- ذ. عبد الرؤوف الزكري
فجأة وجد قصراوة أنفسهم هاربين أو مدفوعين إلى الهرب، طلبا للسلامة والعصمة من فيضان داهم أو محتمل بالنسبة للبعض، أو امتثالا لإجراء إداري احترازي. لكن الديار التي كنا نسكنها هي الآن تسكننا، متطلعين إلى ما تحمله الوسائط الاتصالية من أخبار عنها، علها تكون بلسما يميط شيئا من الأسى المتولد عن وضعية اللاستقرار. فتجدنا منجذبين إلى أي ثقب إعلامي مهما ضاق، نستقي منه حال ومآل الكر والفر التي يمارسها النهر في أزقتنا. فأرواحنا باتت معلقة حيث الحياة كلها، ومهوى الأفئدة النابضة بحبها، في تساؤل متواصل: هل تسلل الماء عبر الشقوق والشبابيك؟ أم وقف على استحياء عند العتبات؟ أم تراه الآن ينشر الوحل على الأثاث؟
ويتيه بنا فضول السؤال و يتشعب، فتحتضنه الإشاعة و منصات تضارب الأنباء، فتزيد من منسوب القلق، كما تزيد المنخفضات الجوية من منسوب النهر المنتفض. في وقت أصبح فيه ” كل مواطن وكالة أنباء “، والكل مهندسا مدنيا، وخبيرا هيدروليكيا. وبين هذا وذاك، تضيع الحقيقة، و تبقى الفوضى التواصلية سيدة المشهد. لا تزاح إلا بإعلام مسؤول، يمتلك المعلومة الموثوقة والخبر اليقين، له المقدرة على تحريهما وتبليغهما بأمانة مهنية، محترما الشروط الأخلاقية تلقيا ونشرا. الشيء الذي يخدم السلامة العامة، التي تبذل كل هذه التدابير للحفاظ عليها. فترك حبل الإعلام والإخبار على الغارب، لمن شأنه أن يعصف بكل جهود الإيواء والإطعام… ما دامت الطمأنينة غير متحصلة، والقلق يساور الجميع، والشك لا يفارق العقل المهجر. في ظل وضع يغدو فيه خبر منسوب الماء، ومد وجزر النهر، والحي الذي ابتلعه أو زاره، والذي سلم من هيجانه، وموعد العودة، والطريق الآمن الذي يمكن سلكه … لا يقل قيمة عن كسرة خبز، وفراش دافئ. وهي مهمة لا يقوم بها إلا إعلام مسؤول، يعين كما تعين لجنة اليقظة، وتسخر له العدة والعتاد القمين بإنجاز المهمة، والمدينة غنية برجال لهم من الدربة والاقتدار ما يؤلهم لإنجاز المهمة بكفاءة، وبعضهم مازال يمنحنا بعض الأمن بوسائله الخاصة. كما كان الأمر في أيام الجائحة.