
ذ. محمد الشدادي
بعد خمسة عشر يوما من الإخلاء الاضطراري للسكان الذي فرضته الفيضانات المفاجئة، تستعد مدينة القصر الكبير لاحتضان أبنائها من جديد في القريب العاجل إن شاء الله. هؤلاء السكان خرجوا من منازلهم على عجل، لا يحملون معهم سوى ما يرتدون، بعدما داهمت المياه بيوتهم فجأة وغمرت الأفرشة والأثاث وأتت على كل ما يملكون.
غالبية المتضررين من الفئات الاجتماعية المحتاجة، فقدوا أعمالهم وأنشطتهم اليومية التي كانت تدر عليهم دخلا بسيطا لتوفير مستلزمات الحياة. كثير منهم لا يملكون منازل خاصة بل يكترون بيوتا، ما يجعل العودة محفوفة بالصعوبات المادية والنفسية.
إنها عودة بين الفرح والألم، فالعودة إلى المدينة ستكون لحظة مفعمة بالفرح والحنين، لكنها في الوقت نفسه مؤلمة، إذ سيجد الكثيرون أنفسهم أمام منازل غير صالحة للسكن بعد أن أتلفت المياه أمتعتهم، وأثرت على جدران البيوت، وفقدوا ما كانوا يعتمدون عليه لتأمين قوت يومهم.
إن حجم الكارثة التي عاشتها القصر الكبير والنواحي يستدعي إعلانها مدينة منكوبة، وإعلان المناطق التي غمرتها الفيضانات مناطق منكوبة، حتى يتسنى تعويض المتضررين بشكل قانوني ومنظم، وضمان وصول الدعم إلى كل أسرة فقدت مأواها أو مصدر رزقها. هذا الإعلان ليس مجرد إجراء إداري، بل هو اعتراف بحجم المأساة وضرورة التحرك العاجل لإنقاذ الأسر المتضررة.
ومن بين المقترحات التي يجب أن تكون بالموازاة مع العودة مباشرة ، وخاصة أننا مقبلون على شهر رمضان المبارك، نلتمس من مختلف الجهات والمجتمع المدني أن يمدوا يد العون لهؤلاء الأسر عبر:
• تخصيص تعويضات مالية عاجلة لمساعدتهم على تدبير أمورهم الأساسية.
• إعفاء مكتري البيوت من أداء واجب الكراء لشهر واحد على الأقل، تضامنا مع وضعهم الصعب.
• التزام المشغلين بدفع أجور هذا الشهر كاملة دون خصم، تقديرا لما تكبده العمال من خسائر ومصاريف إضافية.
• مد يد الإحسان من طرف المحسنين والجمعيات عبر توفير مساعدات غذائية ومالية ولوجستية.
• إطلاق برامج لإعادة الإدماج الاقتصادي والاجتماعي حتى يتمكن المتضررون من استعادة مصادر دخلهم.
• توفير دعم نفسي واجتماعي للأسر والأطفال الذين عاشوا تجربة الإجلاء القاسية.
• تعبئة المؤسسات التعليمية والصحية لضمان استمرار الخدمات الأساسية دون انقطاع.
• إحداث صندوق خاص للطوارئ يخصص لتعويض المتضررين من الكوارث الطبيعية، ويكون جاهزا للتدخل السريع.
القصر الكبير اليوم بحاجة إلى تكاتف الجميع: الدولة، السلطات المحلية، مدبري الشأن المحلي، جمعيات المجتمع المدني، المحسنين، أرباب العمل، ومالكي البيوت، فالمحنة أكبر من أن يتحملها السكان وحدهم، وهي فرصة لإظهار أن التضامن ليس شعارا بل ممارسة فعلية.
إن ما خسره المبعدون من مصاريف ومعاناة أتى على كل ما كان عندهم، ولا سبيل لتخفيف آثار هذه المحنة إلا بتظافر جهود الجميع، وطرق جميع الأبواب من أجل إعلان القصر الكبير والدواوير المجاورة مناطق منكوبة، وهذا هو المدخل الحقيقي لتأمين حقوق المتضررين وتعويضهم، وهو واجب إنساني قبل أن يكون إجراء إداريا. لتكن العودة إلى المدينة بداية جديدة مليئة بالأمل، لا مجرد ذكرى مؤلمة.