ربما حصلت على شيء أغلى :

4 ديسمبر 2025
Oplus_131072
  • لبيب المسعدي

قصة حقيقية من مذكراتي كسائق سيارة أجرة في باريس
خريف 2011

شاهدا من خلف زجاج متسخ على مدينة تتناقض مع ذاتها كل ليلة. أَسوق في طرقات باريس المضاءة بأشباح التاريخ، وأحمل في قلبي غبار مدينة مغربية لم تغب عن مخيلتي لحظة. أسعى وراء لقمة عيش كسائق سيارة أجرة. السيارة قوقعة أختفي فيها، والصمت بين الركاب لغة أعرفها جيدا. لكن بعض الليالي لا تكتفي بأن تكون مشهدا عابراً.. بعض الليالي ترغمك على أن تكون جزءا من لوحتها، كما حدث في تلك الليلة من خريف 2011، حين اخترقت ظلامَ الدائرة الثامنة عشرة لأكون جسراً بين الموت والحياة، بين صرخة أفريقيا وصمت أوروبا، بين يأس يائس وأمل لم يتنفس بعد.
هذه ذكرياتي أشاركها بسخاء. ليست مجرد حكايات من مقود سيارة أجرة، بل شهادات من ذلك العالم الموازي الذي يسمى “الشارع”، حيث تتجاور الأقداس مع العوَرات، وتلتقي القصص الكبرى بحكايات الناس الصغار… حاملا معي عطر القصر الكبير، تحت ضباب نهر السين الدائم.

في ليلة باردة، وسط رائحة اعتادتها أنوف الباريسيين، الرائحة المميزة لمدينة الجن والملائكة. رائحة الأوراق المبللة المتعفنة تحت أقدام المارة المتسرعين، ممزوجة ببخار القهوة والنبيذ والطبخ المتسلل من المطاعم الصغيرة، ودخان السجائر المتطاير على عتبات الحانات. وعطور النبلاء وعرق الإكليروس.

في سيارتي القديمة، أشبه بصدفة محارة أتوارى فيها عن العالم، مراقبا المشهد من وراء زجاج متسخ بآثار المطر. أنا هنا، ابن القصر الكبير، حامل في قلبي صمت السهول الخضراء وحكايات وادي لوكوس ومستنقع السياسة ومكر السياسين وجحود النخب وبؤس المجتمع المدني. أقطع أسفلت هذه المدينة التي تتباهى دوما بأنها تنير العالم.

تلقيت طلب رحلة من عمارة سكنية متواضعة خلف “مولان روج”. ذلك الكباريه العتيق الذي يبيع أحلاما ملونة للسياح، بينما تختبئ خلفه حيوات عارية من الزينة، مثل مدينتي الأم تماما رغم أنها محافظة كما يدّعي أبطال مسرحياتها.

وقفوا هناك: رجل أفريقي طويل القامة، ملابسه مرتبة لكن عينيه واسعتان كفنجانين من القهوة المرة، يحمل طفلا نائما يتوسد كتفه. وبجانبه، امرأة تستند إليه، كأن جسدها ينقسم إلى اثنين أمام عيني. وجهها المسبل بالعرق يتألق في نور المصباح الباهت، ويبدو أن المخاض قد أمسك بها بلا رحمة.

“المستشفى… بأسرع ما يمكن… أرجوك!” كلمات الرجل كانت كطلقات نارية.

ارتبكت. الخوف تسلل إلى عروقي كدخان بارد. “سيدي، هذا ليس دوري، دعني أطلب الإسعاف، فهم أدرى…”

لكن نظرة التوسل في عينيه، ونظرة اليأس الشامل في عينيها، قطعتا أي حجة. “لا وقت… يا أخي. لا وقت.” كلماته الأخيرة نزلت كصلاة. “أخي”. كلمة واحدة جعلت المسافة بين القصر الكبير وقرى إفريقيا المسلمة، بين باريس و القارة السوداء الحزينة، تذوب في بحر من الهشاشة المشتركة.

رفعتها إلى المقعد الخلفي بمساعدة زوجها المرتعش. الطفل الصغير استيقظ فجأة وانطلق في بكاء مرتفع، يضيف نغمة مذعورة إلى سيمفونية الألم التي تملأ السيارة. وانطلقت.

اخترقت حي بيكال العتيق، حيث أضواء الحانات الحمراء والصفراء تعكس أشباحا راقصة على الزجاج المبتل. هنا، في هذه الحانات، يغرق الكثيرون أحلامهم في الكحول، ويرسم عظماء الفن ذكريات بدايتهم كالراحل جاك بغيل. بينما في مقعدي الخلفي، تخلق حياة جديدة في عراء الألم.

مررت بميدان الأوبرا المهيب، الواجهات الأوسمانية الأنيقة تتألق كقطعة حلوى ملكية. كم مرة وقفت هنا، قارنا بين فخامة المباني الباردة وجمال مسجد القصر الكبير العظيم، الدافئ كخبز أمي.

ثم كان ممر هرم متحف اللوفر. في الظلام، كان يبدو كقلعة مهجورة تحرس كنوزا لا تقدر. فكرت: كم لوحة هنا تصور معاناة وولادة؟ الموناليزا، ونابليون ومريم العذراء وآلامها المقدسة بين روائع الفن وقصص الحروب والثورات… وها هي مريم أخرى، مجهولة الاسم، من أفريقيا، تئن في المقعد الجلدي لسيارتي المتواضعة.

عبرت نهر السين من الجسر الملكي. المياه السوداء تحمل أضواء المدينة مكسورة كأحلام المغتربين. كانت تمر بها لحظات صمت قصيرة، ثم تعاود المرأة صراخها، صراخ بدائي يقطع هدوء المدينة المتكلف. وفجأة… صوت سائل، ثم رائحة مالحة مميزة. “ماء الجنين”، همس الرجل باكيا، ممسكا بيد زوجته التي سحقت أصابعه في قبضتها.

“يا رب… يا رب…” كانت تردد بلغة لم أفهمها، لكن روحي فهمت كل حرف.

أسرعت، كأن الملائكة نفسها تدفع سيارتي. قطعت جسر سان ميشال حيث يلهو الشباب بلا هم في الحي اللاتيني بالضفة الأخرى، مرورا بولاية الأمن الشهيرة التي تحمل رقم (36) وصولا على اليسار إلى ساحة نوتردام العظيمة.

الكاتدرائية وقفت هناك في الظلام، جاثمة كعملاق حجري منذ القرن الثاني عشر، بروحانية غامضة تملأ الفضاء. لكني لم أتوقف لأتعجب. وجهتي كانت “Hôtel-Dieu”، أقدم مستشفى في باريس، يحاذي بيت الرب مباشرة حيث يخزن تاج الشوك الذي وُضع على رأس المسيح يوم رفع من الصليب إلى السماء. كأنما الحياة والموت، الألم والرجاء، يقفان جنبا إلى جنب على هذه الجزيرة الصغيرة في قلب المدينة.

توقفت عند باب الطوارئ كالبرق. حملها الزوج بين ذراعيه، وهي تنتحب من الألم والخوف. الطفل الصغير بقي معي للحظة، ناظرا إلي بعينين واسعتين مليئتين بعلامات الاستفهام عن هذا العالم الغريب. ثم سلمته لأبيه، وتبادلنا نظرة. لم تكن كلمات الشكر تكفي. كانت نظرته تقول: “أنت لم تكن مجرد سائق. كنت جزءاً من هذه المعجزة.”

رأيت الممرضين يهرعون بها على السرير المتحرك. باب الزجاج انغلق، فاصلاً بيني وبين المشهد.

بقيت في سيارتي، التهمت سيجارتي، غارقاً في صمت فجائي ثقيل. رائحة الولادة والألم والملح لا تزال عالقة في المقاعد. نظفت وعطرت. لكن شيئاً ما تغير. تم بكيت، بكيت فعلا ولا أدري لماذا. أنا الذي فقدت نعمة التعبير بالبكاء منذ زمن طويل.

باريس هذه، بجمالها الحجري البارد، بصخبها المتغطرس، شعرت بها للحظة وكأنها تتنفس ككائن حي. كأن أضواءها ليست مجرد أضواء، بل شموع في معبد كبير اسمه البشرية.

تذكرت غروب شمس القصر الكبير، دافئة كحضن. تذكرت الألوان الزاهية لأثواب النساء في أسواق إفريقيا، والضحكات العالية التي تملأ الفضاء. هناك، الحياة تندفع بقوة، عارية، حقيقة، كصرخة تلك المرأة.

هنا، في باريس، تُلف الحياة بالرخام والزجاج والقوانين. ولكن تحت القشرة، نفس لون الدماء، نفس الدموع، نفس الصراخ الأول للمولود الجديد.

غبت في زحمة باريس. الأصوات عادت، الضجيج، الموسيقى من الحانات، صفارات سيارات الشرطة. لكن شيئاً في داخلي استقر. ربما، في هذه الليلة الماطرة، بين أحضان “مولان روج” وصمت “نوتردام”، بين ألم أفريقيا وبرودة أوروبا، ولد شيء في أيضا. ولد يقين بسيط: أننا، في النهاية، لسنا سوى أوصياء مؤقتين على هذه الحياة الهشة، وسائقون في رحلة قصيرة، ننقل بعضنا البعض من ألم إلى أمل، على مقاعد متواضعة، في مدينة كبيرة اسمها الأرض.

لم أحصل على أجر الرحلة. لقد نسي الرجل في زحمة الانفعال. أجر لن أقبله أصلاً، لأنني ربما حصلت على شيء أغلى: ذكرى ستبقى أكثر إشراقا من كل أضواء شارع الشانزليزيه. ذكرى أنني، في ليلة خريفية، كنت جسرا بين عالمين، وشاهدا على المعجزة الأبدية: الحياة التي تنتصر، دوما، وسط الألم والضباب.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading