قراءة تحليلية في قصيدة «نسيت طريق الشمس» للشاعرة الزهرة الحميمدي – المغرب

منذ ساعة واحدة

إعداد ودراسة المستشار محمد فادي زين العابدين

تستهل الشاعرة قصيدتها بعبارة «كم مرة نسيت طريق الشمس»، وهي عبارة تضعنا منذ البداية أمام حالة من التيه الداخلي، لا يبدو فيها فقدان الطريق مجرد ضياع مكاني، بل ابتعادًا عن الوضوح واليقين والقدرة على الاهتداء إلى ما يمنح الحياة معناها. فالشمس هنا قابلة لأن تُقرأ بوصفها رمزًا للأمل أو الحقيقة أو الوجهة التي يعرف الإنسان أنه يريد الوصول إليها، لكنه يعجز أحيانًا عن استعادتها.

ومن هذا التيه تنشأ صورة «قارئة الفنجان»، التي يلجأ إليها الصوت الشعري بحثًا عن تفسير للرموز ودلالة للمستقبل. ولا تبدو هذه الصورة محصورة في شخص بعينه، بل يمكن أن ترمز إلى حاجة الإنسان إلى من يبدد حيرته، ويمنحه إجابة حين تعجز خبرته عن تقديمها. غير أن الأسئلة تتسع من معرفة موعد القطار الأخير إلى البحث عن الماء والثلج والهواء وبقايا القلعة المهجورة؛ فتجتمع الضرورات الحياتية مع عناصر الذاكرة والغياب، وكأن المتكلم يبحث عن شروط الحياة نفسها، وعن شيء من عالم فقد ملامحه.

ويحمل تكرار عبارة «كم مرة أعطيت كفي لقارئة الفنجان» معنى الدوران في دائرة الانتظار. فالمحاولة تتكرر، لكن اليقين لا يأتي، والأسئلة لا تجد ما ينهيها. أما القطار الأخير، فيمكن أن يوحي بفرصة يخشى المتكلم فواتها، أو بمرحلة يقترب موعدها ولا يعرف كيف يستعد لها. وتظل هذه الدلالة احتمالية، لأن القصيدة لا تحدد وجهة القطار ولا طبيعة الرحلة، بل تتركهما مفتوحين على تجارب القارئ.

وتنتقل القصيدة إلى صور أكثر غموضًا وخصوصية، مثل النوارس الغائبة والخط المائل جهة اليسار على الكف. فالنوارس تستدعي فضاء الرحيل والعودة والحرية، بينما يثير اختفاء الخط سؤالًا عن العلامات التي كان الإنسان يظن أنها ترشده إلى مصيره. وحين تسأل الشاعرة عن الياسمين الذي ينبت على الرصيف ولا يأبه به المسافرون، تنشأ مفارقة بين الجمال الموجود في متناول الجميع والعجز عن الالتفات إليه. فقد يكون الجمال حاضرًا، لكن العابرين المثقلين بأسفارهم لا يملكون دائمًا القدرة على رؤيته أو الإصغاء إلى ما يهمس به.

وتأتي الخاتمة لتمنح النص بعدًا إنسانيًا لافتًا: «لا ذنب لقارئة الفنجان إن نسيت حروف الهجاء ولم تعد تقوى على الكلام». هنا يتراجع انتظار الإجابة، ويتحول العجز عن تفسير الحياة من خيبة شخصية إلى حقيقة يتشارك فيها السائل ومن يطلب منه الهداية. فلا قارئة الفنجان تملك بالضرورة مفاتيح الغيب، ولا الإنسان قادر دائمًا على فهم نفسه أو قراءة مستقبله. ويعزز هذا المعنى قول الشاعرة: «ولا ذنب لي إن أنا كتبت على الرمل اسمًا غير اسمي»، حيث يبدو تغيير الاسم محاولة للتخفف من هوية أثقلتها التجربة، أو رغبة في الانفصال عن ماضٍ لم يعد المتكلم يريد الاحتفاظ به.

أما الموج الذي يجرف الاسم، فيحمل احتمال النسيان والتحرر معًا؛ فهو يمحو أثرًا كُتب على سطح هش، لكنه لا يخبرنا إن كان محو الاسم يحقق الخلاص فعلًا أم يؤجل مواجهة الذات. وهذه المفارقة تمنح النهاية قوتها، لأنها لا تقدم النسيان حلًا مؤكدًا، بل تتركه رغبة تتأرجح بين التحرر من الماضي والخوف من استمرار أثره.

إن «نسيت طريق الشمس» قصيدة عن الحيرة والانتظار والبحث عن علامات تهدي الإنسان في مسار لا تتضح معالمه. وتكمن خصوصيتها في انتقالها من طلب معرفة المستقبل إلى التشكيك في قدرة الآخرين على تقديم الإجابات، ثم إلى محاولة محو الاسم والبدء من فراغ محتمل. وهي تترك القارئ أمام سؤال مفتوح: هل يحتاج الإنسان إلى من يدله على الطريق، أم يحتاج أولًا إلى أن يستعيد قدرته على رؤية شمسه الخاصة؟
القصيدة
نسيت طريق الشمس

كم مرة
نسيت طريق الشمس
وأعطيت كفي
لقارئة الفنجان
لعلها تفك الرموز
وتدلني على الطريق
لعلها تخبرني
متى يصل القطار الأخير
وأين أجد الماء
والثلج
والهواء
وبقايا القلعة
المهجورة
كم مرة
أعطيت كفي
لقارئة الفنجان
ورجوتها أن تخبرني
متى تعود النوارس
وأين اختفى الخط المائل
جهة اليسار
على كفي
وكم مرة سألتها
لماذا ينبث الياسمين
على الرصيف
ولا يأبه بهمس المسافرين
العائدين من الضفاف
البعيدة
لا ذنب لقارئة الفنجان
إن نسيت حروف الهجاء
ولم تعد تقوى على الكلام
ولا ذنب لي
إن أنا كتبت على الرمل
إسما
غير إسمي
ليجرفه الموج
وأنساه إلى الأبد…

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading