
يوسف سعدون :
بقلب يعتصره الحزن، تلقينا نبأ رحيل الفنان والنحات مصطفى بوشيبة، ابن مدينة القصر الكبير البار، الذي وافته المنية بعد مسار فني وإنساني بصم الذاكرة بهدوء وكبرياء.
عرفت الفقيد في ثمانينيات القرن الماضي، حين عاد إلى مدينته القصر الكبير من بلجيكا، عودة المثقل بالحلم والمعرفة. كان عائدا من رحلة تكوين أكاديمي رصين، فهو من مواليد 1955 بالقصر الكبير، تلقى تعليمه الأول بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان، ثم شد الرحال إلى الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة ببروكسيل، ومنها إلى لييج، ليحصل على إجازتين في النحت والرسم، ويتوج مساره بنيل الجائزة الأولى للنحت على الحجر بلييج سنة 1982.
لم يكن مصطفى مجرد طالب فن، بل كان من القلة النادرة في المغرب الذين يمارسون فن النحت بطرقه الأكاديمية. كان الحجر والمواد الأخرى بين يديه ليست مواد صماء، بل كتابا مفتوحا وإنسانا ينبض، يشكلها ليعطيها أشكالا فنية إبداعية ذات دلالات مختلفة.
كانت منحوتاته بحثا عميقا في الإنسان، في مختلف تجلياته وتعبيراته وانفعالاته. وجهٌ يصرخ صامتاً، جسدٌ يتأمل، يد تتوسل.. كان ينحت الروح قبل الجسد.
شارك الفقيد في معارض جماعية عديدة تركت أثرا: بتطوان 76، وباب الرواح بالرباط 78، بلييج 82، وبالقصر الكبير بين 82 و 87، وتطوان 87، وتوزعت أعماله بين بلجيكا واليونان والمغرب، كما شارك في معرض جماعي نظمته جمعية ألوان للثقافة والفن بالقصر الكبير، تلك المدينة التي أحبها وأحبته.
ولكي يضمن لقمة عيش كريمة، فتح ورشة بالقصر الكبير، وبدأ يشتغل بها ليغذي السوق المحلي في مجال الطباعة واللافتات. شيئا فشيئا، أخذته الورشة بمتطلباتها اليومية، فابتعد جسده عن الساحة الفنية، لكن قلبه ظل متابعا وفيا للمسار الفني، يفرح لكل معرض ولكل تجربة جديدة.
وكم هو مؤلم أن نقول اليوم: لو أن الحياة أنصفته وتفرغ كليا للنحت، لصنع لنفسه اسما كبيرا في مجال يعرف خصاصا كبيرا في الساحة التشكيلية المغربية. فالنحت عندنا يتيم، ومصطفى كان أحد آبائه القلائل الذين أتقنوا لغته.
برحيله، تفقد القصر الكبير واحدا من أبنائها البررة، وتفقد الساحة الفنية المغربية نحاتا أكاديميا أصيلا كان يمكن أن يكون مرجعا.
نم بسلام يا مصطفى..
تركت في الحجر أثرا لا يمحى، وتركت فينا ذكرى رجل طيب، هادئ، مبدع، عاش للفن وبالفن.