
أمينة بنونة
هناك رجال يمرون في حياة المدن، وهناك رجال تصبح المدن جزءًا من سيرتهم، فلا يُذكر أحدهما إلا واستُحضر الآخر. والأستاذ العربي العسري واحد من أولئك الذين اختاروا أن يحملوا القصر الكبير في القلب، وأن يخلدوا أسماء رجالها وأدبائها وعلمائها في صفحات الكتب، حتى لا يطويهم النسيان.
لم يكن مشروعه الأدبي بحثًا عن شهرة، ولا سباقًا نحو الأضواء، بل كان مشروع وفاء. وفاءٌ لمدينة أحبها، وعرف أن الأمم التي تنسى ذاكرتها، تفقد جزءًا من روحها.
منذ طفولته، كان القرآن أول معلميه، بين كتاتيب الفقيه أحمد التطواني والفقيه محمد العمراني، ثم فتحت له مدرسة الأمل الحرة أبوابًا أخرى، حيث التقى بالأديب والشاعر محمد الخباز، الذي لم يلقنه اللغة العربية فحسب، بل أيقظ داخله عشق الكلمة، وحب الكتاب، وشغف المطالعة. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الطفل العربي العسري يبني عالمه الخاص… عالمًا تصنعه الحروف، وتحرسه الذاكرة.
واصل دراسته بين القصر الكبير وتطوان والرباط وفاس، حتى حصل على الإجازة في الأدب العربي، ثم عاد إلى رسالته الأولى: التربية. مارس التعليم سنوات طويلة، مؤمنًا بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن الأستاذ لا يكتفي بتلقين المعرفة، بل يصنع الوعي ويغرس القيم.
لكن الرجل كان يحمل رسالة أخرى، ربما كانت أكثر صمتًا وأشد أثرًا؛ رسالة توثيق الذاكرة الثقافية لمدينته. كان يدرك أن وراء كل اسم حكاية، ووراء كل كتاب تاريخًا، ووراء كل شاعر حياة تستحق أن تُروى. لذلك انصرف إلى البحث والتنقيب وجمع الوثائق، يقرأ المخطوطات، ويلاحق الأخبار، ويستعيد ما كاد يندثر من سير الأدباء والعلماء.
وجاءت موسوعته “أقلام وأعلام من القصر الكبير في العصر الحديث” في ثلاثة أجزاء، لتكون ثمرة سنوات من الصبر والبحث، ومرجعًا لا غنى عنه لكل من يريد التعرف إلى الحياة الفكرية والأدبية بالمدينة. ولم يقف عطاؤه عند هذا الحد، بل ترك أعمالًا ومخطوطات أخرى تؤكد أنه كان يكتب بعين الباحث، وقلب المحب، وضمير المؤرخ.
العربي العسري لم يكن مجرد أستاذ أو مؤلف، بل كان شاهدًا على زمن، وأمينًا على ذاكرة مدينة، ومخلصًا لفكرة أن الثقافة ليست ترفًا، وإنما هي حفظٌ للهوية وصونٌ للذاكرة.
ولعل أجمل ما يقال عنه أنه لم يكتب عن القصر الكبير من بعيد، بل كتبها من الداخل؛ من أزقتها، ومدارسها، ومجالس علمائها، ومن وجوه رجالها ونسائها. لذلك جاءت كتاباته صادقة، نابضة بالحياة، مفعمة بروح المكان.
سيظل اسم العربي العسري حاضرًا كلما ذُكر تاريخ القصر الكبير الثقافي، لأنه آمن بأن المدن لا تعيش فقط بما يُبنى فيها، بل أيضًا بما يُكتب عنها. ومن يكتب ذاكرة مدينة، إنما يمنحها حياة أخرى… حياة لا تنتهي برحيل الرجال، بل تستمر في الكتب، وفي ذاكرة الأجيال.