
بقلم : ذ. نبيل اليعكوبي
يتساءل سكان الحي عن السبب الذي يجعل سراج يزورك كل ما حل بالمغرب قبل والديه ويقبل رأسك رغم تمنعك؟؟
قبل أن أجيبك دعني أعود بك الى قصة لا تفارق مخيلتي فقد قرأت في تاريخ بغداد ووفيات الأعيان: حيث ذكر المؤلف أن أبا حنيفة رضي الله عنه، كان له جار، جداره على جداره عمله اسكافي، فيعمل نهاره كله من طلوع الشمس لغروبها، فإذا رجع الى منزله ليلا تعشى ثم شرب، فإذا دب الشراب فيه رفع عقيرته وصوته وغنى يقول:
أضاعوني، وأي فتى أضاعوا… ليوم كريهةٍ وسداد ثغر
ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخده النوم فينام ليكرر غدا ما فعله بالأمس وتوالت السنين على هذا وأبو حنيفة يسمع صوته كل ليلة.
وكان ابو حنيفة يقوم الليل كله، ولا يتسخط ولا يشتكي من إذاية جاره، ففقده ذات ليلة فلما سأل عنه أخبروه بأن العسس (الشرطة) أخدوه منذ ليال، فصلى أبو حنيفة الفجر من غد، ثم ركب بغلته وأتى دار الأمير، فاستأذن عليه، فقال الأمير : ائذنوا له، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ بقدمه البساط. ففعلوا به ذلك إكراما له لمكانته،
فاستقباه الأمير بحفاوة ووسع له من مجلسه ورحب به ثم قال ما حاجتك يا أبا حنيفة؟
فقال أعز الله الإمام جئتك أشفع في جاري أخده العسس منذ ليال،
فقال الأمير: أطلقوه وأطلقوا معه كل من أخد تلك الليلة.
فخلوا سبيلهم وذهبوا،
فركب أبو حنيفة بغلته والإسكافي يمشي ورائه ولم يتكلم طول الطريق حتى دنوا من الحي فقال له أبو حنيفة: يا فتى هل أضعناك؟؟
فقال بل حفظت وصنت ورعيت فجزاك الله خيرا عن حسن الجوار. والله لا أعود لتلك الحال،
ثم تاب الرجل ولم يعد الى ما كان يفعل.
أترى تلك السيارة والمنزل والمقهى أسفله إنها ملك أب سراج يتصرف فيها كيف يشاء في الحقيقة أن كل ما ترى لم يحدث بين عشية وضحاها ولم يكن إرثا ولا من عرق جبينه ولا تطوع أحد وكتبها في اسمه وإنما هي مكافأة له على صبره طوال سنوات خلت من المعاناة والصبر ونكران الذات وعدم التشكي أو التذمر من اي شيء فذلك الرجل عبوس الوجه طليق القلب واللسان تحمل كثيرا حتى أنصفته عدالة السماء،
وعلى شاكلة جار ابو حنيفة كان سراج ذلك الشاب اليافع كل ما جن الليل أخد يشم من وسط يديه معجون (سيلسيون) فإذا ذهب عقله يغني كل ما خطر في باله حتى يتفرق الناس من صلاة الفجر
ومما كان يهذي به أحيانا أبيات لامرؤ القيس يقول فيها:
وليل كموج البحر أرخى سدوله *** عليا بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف إعجازا وناء بكلكل
الا ايها الليل الطويل ألا انجليبصبح وما الاصباح منك بأمثل
فعلمت أنه سبق ودرس فتركته حتى التقيته يوما وهو في وعيه فكلمته وعلمت ظروفه التي يشيب لها رأس الصبي فأمه مريضة بالسرطان طريحة الفراش من أعوام وأبوه يعمل حمالا بعربة صغيرة فإذا أمسى المساء عاد لهم بما وفره من عربته يطبخ وينظف ويرتب البيت ويغسل الأواني ثم قال أحيانا لا نأكل سوى وجبة واحدة في اليوم وكم كانت تلك الوجبة عبارة عن شاي مع خبز
شغلني أمره لأيام وشهور
وليس باليد حيلة غير النصيحة فنصحته بالعمل ورفع بعض المسؤليات عن والده فقال أنه بحث عن عمل في اي شيء ولم يجد وأنه متحصل على شهادة باكلوريا علمية وأن قلة اليد منعته من إتمام دراسته الجامعية
فتحظ نفسك احيانا عاجزا عن كل شيء حتى الافكار تهرب منك
وبينما انت في همومك وتحمل هموم غيرك يفتح الله عليك بابا حتى تنشد من فرحتك به
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج.
كنا في شهر ماي وفيه تفتح أمريكا باب الهجرة عن طريق (القرعة) الاختيار العشوائي لملفات المغاربة الذين تقدموا بطلبات الهجرة ومن الشروط ان تكون متحصل على الباكلوريا
ومن محاسن الصدف أن سراج يتقن اللغة الانجليزية
فبمجرد أن اقترحت عليه الفكرة الا وانفجر في وجهي هل هذا كله حظ لأكون من المحظوظين؟
هل تهزأ بي؟
وكيف ؟
ومتى؟
اسئلة صبها في وجهي فبركان نشط
فما كان مني الا ان هدئته وشرحت له أن الامر لو كان مكتوب له فلن يأخده منه أحد من الانس أو الجن
فقمت بتسجيله وحرصت على ادخال المعلومات بشكل صحيح وفق التعليمات المتبعة
واتذكر يوم ذهابنا لاستخراج صور فوتوغرافيه لكي يبدي ابتسامته مكثنا معه قرابة نصف ساعة
كنت بعدها كأنني اتوسل اليه ان يصلي يدعو الله ان يقبل
فكلما التقيته أخبره (بالصلاة والدعاء تفتح الأبواب)
وإن نسيت لا أنسى يوم إعلان نتائج القرعة الأمريكية حيث كانت القلوب واجفة والابصار خاشعة كأننا ننتظر خروج جراح من غرفة العمليات
اخدت الحاسوب لبيته وننتظر وكل ما كنت أفكر فيه كيف سيكون رد فعل هذا الفتى لو لم يكن من المقبولين!!!
يلتفت إلي كل دقيقة ويقول أنا شخص منحوس ولا حظ ولا توفيق لا تشغل بالك
وأعلم انه يحاول أن يخفف عن نفسه توثر اللحظات،
لم تعلن النتائج الا بعد الساعة الثالثة صباحا
على جنبي ينام أبوه مهدودا من شدة التعب طوال اليوم
وأمه ترمقنا بنظرات استعطاف
أخوه يدخل ويخرج ويده خلف ظهره يريد ان ينتهي هذا الكابوس
اخدت الحاسوب وضعته على رجلي وأخدت ادخل الرقم الذي سجل باسمه فكانت الصدمة التي اوقفت أمه على رجلاه بعدما نسيت كيف تقف لسنوات طويلة واجتمع سكان الحي بصغارهم وكبارهم نسائهم ورجالهم
نعم مكتوب بخط عريض وبلون أخضر فاتح
Congratulations, your application has been accepted.