قصة قصيرة : عودة الروح إلى الجسد ــــــــ

منذ ساعة واحدة
Oplus_131072

بقلم : مصطفى الصبان
تسمع دقاتٍ خفيفةً على الباب، تقترب فيقشعر بدنها ويرتجف قلبها، تشعر بإحساسٍ دفينٍ وغريب، يتجلى لها ضوء خافت يتسلل من شق عتبة الباب، يتخلله خيال، ونسيم عطر قديم يفوح من خلف الباب.
تسأل بصوت خافت وبارد وجاف:
من الطارق؟
لا أحد يجيب، فترتعد يدها وتتجمد في مكانها دون حراك. ثم تستمد قوتها من ذلك النسيم العليل الذي يتسلل نحو روحها قبل قلبها، فيلهمها فتح الباب بسرعة من ينتظر حبيباً قد غاب طويلاً ثم عاد.
ما إن تفتح الباب حتى يرتمي عند قدميها، يقبلهما بحرارة، يبللهما بدموعه الحارة، بينما هي ثابتة في مكانها، شاردة في ملامحه وحركاته وحرارة أنفاسه، وذوبانه في حنين شديد لا تعلم أسبابه.
ترى من هذا الشاب الوسيم الذي يجهش بالبكاء ويذوب عند قدميها؟
إنه شعور غريب يقتلعها من جذورها، ويهزها هزاً، وتريد أن تعلم من هو هذا الشخص الماثل أمامها، وتكاد عيناه تخترقان عينيها، مع ابتسامة يصدرها وجهه الملائكي كإعلان لميلاد لحظة عظيمة.
تشجع وابتسم وقال:
أنا هشام.
نطق باسمه أمامها، ففاض شوقه أكثر، ثم ارتمى بأحضانها، كما لو كان يبحث عن دفء دفين في يوم بارد وحزين، أو كما لو كان يستعيد روحه التي فقدها منذ زمن طويل.
أحدث اسمه ارتجاجاً بداخلها، وأحست بمخاض قديم يعود للتو، تزداد شدته، لكنه يبشر بميلاد طيف صغير كان يزورها في المنام، والآن اكتملت ملامحه كلها، وقلبها دليلها.
والدموع تكاد تخنقه، وتحبس أنفاسه، راح يردد على مسمعها:
نم طفلي الصغير
نم صغيري الحبيب
لقد شربت الحليب
نم، نومة الأمير.
إنها نفس الأغنية التي كتبتها ولحنتها بروحها قبل قلبها، وغنتها في عز فصول السنة كلها، وإلى حدود اللحظة لا تزال تغنيها، لعل قمراً يتجلى لها في ليلة مظلمة فيحييها من جديد.
ـ اقترب مني أكثر، أريد أن أعرف من أنت؟
تشد على رأسه، وتمعن النظر في عيون باتت للتو تعرفها يقيناً، وتمسح برفق آخر دمعات الحرمان واليتم.
ـ أنت هشام؟
ـ أنا هشام يا أمي.
يجهشان بالبكاء، ثم يبتسمان، ويتحول اللقاء إلى عيد ميلاد جديد.
“من رحم الشتاء البارد يولد الربيع الأخضر، وغداً ستشرق الشمس، وغداً يوم جديد، والفراق مهما طال يليه وصال، والدمعة مآلها الزوال” هكذا كان يردد دائماً.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading