
بقلم أمينة بنونة
هناك فنانون يرسمون الوجوه، وهناك فنانون يرسمون ما وراء الوجوه… وهناك من يجعل من ريشته وسيلة للاحتفاء بالآخرين، وتوثيق لحظات من ذاكرة الثقافة والإبداع.
ضيفنا في «شخصية الشهر» فنان تشكيلي وكاريكاتوري، وأستاذ مربٍّ، ابن مدينة القصر الكبير، التي احتفظت في ذاكرته بكثير من ملامح البدايات، كما احتفظت أعماله الفنية بجزء من ذاكرتها الثقافية والإنسانية.
إنه الفنان حسن البراق، المزداد بمدينة القصر الكبير في أوائل يونيو سنة 1957، حيث نشأ وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي، وهناك بدأت علاقته المبكرة بعالم الخطوط والألوان، في مرحلة كانت فيها موهبته الفنية تتشكل بهدوء، وتحمل معها ملامح فنان سيجد لاحقاً طريقه إلى فضاءات الإبداع.
لم يكتف حسن البراق بما منحته له الموهبة، بل اختار أن يصقلها بالتكوين والدراسة، فحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الفنون التشكيلية سنة 1980 بمدينة فاس، وتابع تكوينه بالمركز التربوي الجهوي بطنجة خلال الفترة الممتدة بين 1980 و1982.
وكانت الصحافة أولى النوافذ التي أطل منها على الجمهور، إذ شهدت جريدة «العلم» سنة 1984 نشر أول رسم كاريكاتوري له، لتبدأ بذلك رحلة فنية وإعلامية امتدت عبر عدد من المنابر الصحفية المغربية، من بينها أخبار اليوم، والأيام، والجهات المغربية، والنهار، ثم جريدة الميثاق الوطني التي ارتبط بها خلال الفترة الممتدة من 1991 إلى 2000، قبل أن ينتقل إلى جريدة المساء.
الكاريكاتور… حين تختصر الخطوط حكاية كاملة
في تجربة حسن البراق، لا يبدو الكاريكاتور مجرد رسم ساخر أو مبالغة في الملامح، بل هو لغة قائمة بذاتها، تستند إلى المجاز والرمز والتشبيه، وتمنح الفنان فرصة للتعبير عن رؤيته للقضايا الاجتماعية والإنسانية والمحلية والعربية والدولية.
إنه فن يحتاج إلى عين تلتقط ما قد لا ينتبه إليه الآخرون، وعقل يحول الفكرة إلى صورة، وخطوط قليلة قادرة على اختزال موقف أو طرح سؤال أو إثارة التأمل.
وهنا تكمن خصوصية تجربته؛ فهو لا يكتفي برسم ما تراه العين، بل يحاول أن يقول من خلال الصورة ما قد تعجز الكلمات أحياناً عن قوله.
وقد شارك في معارض فنية محلية ودولية، كما اهتم بالمسابقات المرتبطة بحقوق الإنسان، موظفاً أدواته الفنية في التعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع.
من اللوحة إلى الكتاب… ريشة تحتفي بالمبدعين
ومن الجوانب الجميلة في تجربة حسن البراق علاقته بالمشهد الثقافي والأدبي، فهو لا يحصر الإبداع في لوحاته الخاصة، بل يجعل من فنه مساحة للاعتراف بعطاء الآخرين.
فكم من شخصية أدبية أو فنية أو رياضية احتفى بها من خلال بورتريه فني، وكم من إصدار أدبي حملت واجهته لمسته التشكيلية، لتصبح أعماله جزءاً من الذاكرة البصرية للعديد من المبادرات واللقاءات الثقافية.
ومن الشواهد على ذلك مساهمته في اللقاء الأدبي المخصص لإبداع القاص الدكتور مصطفى يعلى حول كتابه «خمسة وخميسة»، المنظم من طرف منتدى الفكر والثقافة والإبداع بطنجة، حيث صمم واجهة الكتاب الجماعي، وأنجز بورتريهاً فنياً للمبدع مصطفى يعلى، في مبادرة حملت دلالات التقدير والوفاء.
لقد اختار حسن البراق أن يشارك في ثقافة التكريم بطريقته الخاصة؛ لا بمنصة خطابية ولا بكلمات عابرة، وإنما بعمل فني يمنح صاحبه حضوراً مختلفاً، ويترك أثراً قابلاً للبقاء.
وهذه، في حد ذاتها، قيمة ثقافية وإنسانية تستحق التنويه؛ لأن الاحتفاء بالمبدعين ليس فقط أن نتحدث عنهم، بل أن نمنحهم ما يستحقونه من اعتراف وتقدير.
الأستاذ المربي… وجه آخر للإبداع
وراء الفنان الذي يمسك بالريشة، يوجد الأستاذ الذي حمل رسالة التربية والتعليم لسنوات طويلة داخل المدرسة العمومية المغربية.
فقد جمع حسن البراق بين شغف الفن ومسؤولية التربية، وظل وفياً لعالم التعليم ولأجيال من التلاميذ، قبل أن يصل إلى مرحلة التقاعد، دون أن يعني ذلك نهاية علاقته بالفعل الإبداعي.
بل استمر حضوره من خلال تأطير ورشات الفنون التشكيلية والمساهمة في مبادرات ثقافية وجمالية، من بينها إنجاز الجداريات، إيماناً منه بأن الفن ليس حكراً على قاعات العرض، بل يمكن أن يكون جزءاً من الحياة اليومية للناس، ومن جمال الفضاءات التي يعيشون فيها.
ولعل ما كتبه في إحدى خواطره سنة 2026، متخيلاً نفسه لو اختار الصحافة بدل التدريس، يكشف جانباً من فلسفته في الحياة؛ إذ يرى أن الأستاذ والصحفي يحملان، رغم اختلاف الأدوات، رسالة مشتركة قوامها البحث عن الحقيقة وتنوير العقول وبناء الإنسان الواعي.
القصر الكبير… مدينة تسكن الريشة
ولأن الحديث عن حسن البراق لا يكتمل دون العودة إلى مدينته، فإن شهادات من عرفوه تضيء جوانب أخرى من علاقته بالقصر الكبير.
في رسالة مؤثرة، يستعيد محمد أكرم الغرباوي ذكريات صيف التسعينيات، حين كانت المدينة تنبض بالحياة الثقافية، وتحتضن المعارض التشكيلية والأنشطة الأدبية والحلقات الفنية.
ويتذكر لقاءه الأول بالفنان حسن البراق في معرض جماعي بدار الشباب الحريزي، وكيف استقبله بابتسامة وشجعه على اكتشاف اللوحات وتجاوز رهبة المكان.
لم تكن تلك مجرد لحظة عابرة في ذاكرة شاب، بل كانت بداية علاقة مع الفن والجمال، تركت أثرها في الوعي والوجدان.
ويصفه صاحب الشهادة بأنه إنسان أنيق في تعامله، رحيم بالمدينة وسكانها، مخلص للمبادرات الجادة، ومدافع عن هوية القصر الكبير وأصالتها وجمالها، كما يستحضر حضوره في المحافل الثقافية والفنية، وحتى في الدفاع عن النادي القصري لكرة القدم.
وتلك شهادة تكشف أن الفنان لا يعيش داخل حدود لوحته فقط، بل يحمل معه انشغالات مدينته، ويتفاعل مع قضاياها وتفاصيلها.
ومن زاوية أخرى، قدم الأستاذ المرحوم محمد المؤذن قراءة وجدانية لأعماله، يرى فيها أن اللوحة ليست مجرد خطوط وأصباغ، بل مساحة تنعكس فيها أحاسيس الفنان وانشغالاته، وأن الطبيعة في أعماله تبدو ملاذاً للبحث عن الصفاء والسكينة والجمال.
وبين هذه القراءة وتلك الشهادة، تتشكل صورة إنسان وفنان لا تنفصل تجربته الإبداعية عن حساسيته تجاه ما يجري حوله.
الفنان والإنسان… حين تتحدث الألوان عن صاحبها
لعل أجمل ما يمكن أن نقرأه في شخصية حسن البراق هو ذلك التداخل بين الفنان والإنسان؛ فالرجل الذي يرسم الآخرين ويحتفي بمساراتهم، لا يبدو منشغلاً بالظهور بقدر انشغاله بالفعل والمساهمة.
وفي رسالته المفتوحة إلى أصدقائه ومحبيه، تظهر بساطة إنسان يقدر الكلمة الطيبة، ويؤمن بأن الصداقة والوفاء والامتنان قيم لا ينبغي أن تفقد مكانتها وسط إيقاع الحياة المتسارع.
وهكذا، فإن قراءة تجربة حسن البراق لا تقف عند حدود اللوحة والكاريكاتور، بل تمتد إلى الأستاذ المربي، والفاعل الثقافي، والإنسان الذي اختار أن يجعل من الفن وسيلة للتواصل والاعتراف بالجمال.
قد تتعدد الألوان، وتتغير المواضيع، وتختلف الوجوه التي تمر أمام ريشته، لكن الخيط الذي يجمع هذه التجربة يظل واحداً: الإيمان بقيمة الإبداع، وبأن لكل إنسان بصمته التي تستحق أن تُرى وتُحترم.
في زمن أصبح فيه الحضور أحياناً أعلى صوتاً من القيمة، تظل هناك تجارب تفضل أن تتحدث عنها أعمالها، وأن تترك أثرها بهدوء.
وحسن البراق واحد من هؤلاء الذين جعلوا من الريشة رفيقة لمسارهم، ومن الكاريكاتور نافذة للتعبير، ومن اللوحة مساحة للاحتفاء بالإنسان، ومن المدينة ذاكرة لا تغيب.
إنه فنان لم يكتف برسم الوجوه، بل ساهم في حفظ ملامح عدد من المبدعين، ولم يجعل من الفن عالماً مغلقاً على ذاته، بل فتحه على المدرسة والكتاب والشارع والفضاء الثقافي.
تحية تقدير للفنان والأستاذ حسن البراق، ابن القصر الكبير، الذي نحتفي به اليوم ضمن سلسلة «شخصية الشهر»، اعترافاً بمسار فني وتربوي وثقافي، وببصمة تؤكد أن الجمال ليس مجرد ما نراه في لوحة، بل ما نتركه في حياة الآخرين.
فبعض الفنانين يوقعون لوحاتهم بأسمائهم، وبعضهم يتركون توقيعهم في ذاكرة الناس… وحسن البراق من الذين تستحق ريشة حياتهم أن تُقرأ كما تُقرأ أعماله