إمارة أندلسية في قلب اللوكوس

منذ 3 ساعات
Oplus_131072

بقلم: محمد التطوانــــــي؛
تعتبر مدينة القصر الكبير بوابة الأندلس، الواقعة في قلب سهل اللوكوس بين العرائش والبصرة، واحدة من أقدم المدن المغربية التي احتضنت الحضارة الأندلسية، ليس كموجة هجرة عابرة، بل كدولة وحكم وهوية متجذرة.
فالمدينة التي عُرفت في العهد الروماني باسم أوبيدوم نوفوم، بما هو معناه المحلة الجديدة، شهدت
تعريبا مبكرا منذ عهد الأدارسة بفضل القبائل العربية والهجرات الأندلسية المتتالية، حتى أصبحت نموذجا فريدا للتعايش الأندلسي المغربي.
أولا: إمارة بني أشقيلولة:
أول كيان أندلسي مستقل في المغرب تعود أولى جذور الحكم الأندلسي في القصر الكبير إلى نهاية القرن 13 الميلادي. ففي أواخر العهد الإسلامي بالأندلس، اشتد النزاع بين أسرتي بني الأحمر حكام غرناطة وبني أشقيلولة الذين كانوا يسيطرون على وادي آش ومالقة. تدخل السلطان المريني يوسف بن يعقوب بالوساطة بينهما، فكان الحل أن يمنح إمارة القصر الكبير للأمير الأندلسي عبد الله بن أبي محمد بن أشقيلولة، مقابل تنازله عن ممتلكاته في الأندلس. يقول المؤرخ أحمد الناصري في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” : “فأعطاه السلطان يوسف القصر الكبير وأعماله طعمة سوغها إياها”.
استقر الأمير الأندلسي في المدينة وحكمها من سنة 1286م إلى وفاته سنة 695هـ / 1294م، وتوارث أبناؤه الحكم من بعده، مؤسسين إمارة أندلسية خالصة كانت تدين بالولاء للمرينيين.
ولم يبق من آثارهم اليوم سوى ضريح يعرفه أهل المدينة باسم “سيدي الرايس”، وهو تحريف لكلمة “الرئيس” التي كانت لقب أميرهم.
ثانيا: محاكم التفتيش.. آلة الطرد التي عمرت القصر الكبير:
ولا يمكن فهم الاستقرار الكثيف للموريسكيين في القصر الكبير دون فهم آلة الرعب التي دفعتهم إليه: محاكم التفتيش.
فبعد سقوط غرناطة سنة 1492م، نقض الملوك الكاثوليك كل عهود التسامح. وأسست الملكة إيزابيلا بمرسوم بابوي سنة 1478م محاكم التفتيش. بهدف تطهير شبه الجزيرة من الإسلام واليهودية
جبر المسلمون على التنصير القسري، وأطلق على المتنصرين اسم الموريسكيون لكن تنصيرهم كان ظاهريا فقط.
فأنشأت محاكم التفتيش شبكة جواسيس تراقبهم داخل بيوتهم: فمن يغتسل يوم الجمعة، أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير، أو يتحدث بالعربية، أو يضع الحناء، يُتهم بأنه مسلم متخفٍ.
كانت المحاكمات تتم في أقبية مظلمة في إشبيلية وغرناطة، ويُعذب المتهم حتى يعترف، ثم يُحرق حيا في ساحات علنية تسمى: “فعل الإيمان”، وتُصادر جميع أملاكه.
أمام فشل كل محاولات الدمج القسري، أصدر الملك فيليب الثالث سنة 1609م مرسوم الطرد النهائي، فطُرد ما بين 300 ألف إلى 600 ألف موريسكي من موانئ الأندلس.
وبسبب قرب القصر الكبير من ميناءي العرائش وأصيلة، كانت المدينة أول ملجأ آمن لهم، فدخلوها وهم يحملون مفاتيح بيوتهم في غرناطة وقرطبة.
ولهذا، فإن كل لقب أندلسي في القصر الكبير اليوم هو في الحقيقة وثيقة نجاة من محرقة محاكم التفتيش.
ثالثا: العائلات الأندلسية المستقرة
استقرت بالقصر الكبير عائلات أندلسية كثيرة لا تزال أسماؤها حاضرة إلى اليوم، منها: الفاسي، غيلان، بنعيش، الرايس، بوغالب،القجيري، الطود، قشتليلو، بن يحيى، التطواني، الوهراني، الجباري، الريسوني، المرابط، العسري، الصقلي، مشيش، العمري، العطار، الحراق، الصروخ، الحوات، الكنوني، المتيوي، أفيلال، العمراني، الرهوني، الغريسي، بربيش، القصري، البقالي، الحميدي، زكري، العشعاش، الخليفي، السلاوي، الخمال، المغراوي، بن خدة، الدريسي، بنجلون، البراق، الهاشمي، الطيبي، المنصوري وغيرها.
كما استقرت بالمدينة أسر يهودية سفاردية موريسكية، غيرت ألقابها بمرور الوقت.
تنبيه هام: يجب التمييز بين الأسر القديمة التي سكنت تاريخيا أحياء باب الواد والشريعة والمدينة العتيقة، وهي أسر موريسكية أصيلة قدمت من شبه الجزيرة الإيبيرية، وبين الأسر الوافدة حديثا من القبائل المجاورة كبني عروس وبني كرفط، والتي قد تتشابه ألقابها لكن سياقها التاريخي مختلف.
رابعا: الأثر الحضاري
أ) العمران: أحياء بطراز الدور الأندلسية ذات الصحن الداخلي والنافورة، والزليج الموريسكي، وقبة مولاي علي بوغالب بالرخام الأبيض.
2) العلم: ازدهار في العهد المريني ببناء المدرسة والمارستان، وظهور علماء كأبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن.
3) الفن: القصر الكبير معقل للطرب الأندلسي والغرناطي، ومن أبنائها عبد السلام عامر ومحمد الطود ومحمد الخمار الكنوني.
إن قصة القصر الكبير مع الأندلس ليست قصة هجرة فقط، بل هي قصة اندماج وانصهار. فمن إمارة بني أشقيلولة في القرن 13، مرورا بجحيم محاكم التفتيش وصولا إلى استقبال المطرودين في القرن 17، استطاعت المدينة أن تحافظ على هويتها الأندلسية في العمران والفن والذاكرة الشعبية، حتى أصبحت بحق بوابة الأندلس في المغرب..

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading