
متابعة :
ـ تصدير:
“النجاح ليس في عدم السقوط، بل في النهوض بعد كل عثرة؛ فالعلم نور لا يطفئ وهجه انقطاع أو تأخير، والحلم حق يُنتزع بالصبرِ ولا يستجدى بالظروف.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله وتوفيقه تتحقق الأمنيات وتذلل الصعاب، له الحمد والفضل والثناء الحسن أولا وأخيرا، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه.
في هذه اللحظة الاستثنائية التي تختلط فيها دموع الفرح بعزة الانتصار، وأنا أرتدي عباءة التخرج وأقف فوق منصة التتويج حاملة بين يدي شهادة “الماستر” أشعر بحجم الكرم الإلهي الذي أحاطني. إنها ليست مجرد ورقة تثبت نجاحا أكاديميا، بل هي وثيقة عبور صاغتها التضحيات، وقعتها الإرادة، وباركتها دعوات الصادقين. حين ألتفت اليوم خلفي لأتأمل شريطا طويلا من السنوات، أرى تلك الطفلة التي أجبرت يوما على مغادرة مقاعد الدراسة مبكرا، وكيف تحولت بفضل الله إلى امرأة تصنع مستحيلها الخاص وتنتزع حقها في العلم انتزاعا.
لم يكن خروجي من المدرسة بعد الشهادة الابتدائية محض اختيار، بل كان نتيجة ظروف أسرية وقرار من والدي قادني مباشرة إلى زواج مبكر في سن صغيرة. انطفأ شغف الكتب رغمًا عني، وتوالت الأيام ليمتد هذا الانقطاع القسري لاثني عشر سنة كاملة. خلال تلك السنوات الطويلة، عشت تفاصيل الأمومة ومسؤوليات البيت بعد أن رزقني الله بأثمن هدية: ثلاث أميرات ملأن علي دنيتي. ورغم استغراقي الكامل في تربيتهن وأعمال بيتي، لم تستطع الأيام ولا الظروف أن تطفئ تلك الشعلة المتقدة في أعماقي؛ فالحلم ظل حيا يهمس لي كل ليلة: “الظروف قد تؤخرك، لكنها لن تهزمك”.
بعد 12 سنة من الغياب عن طاولات العلم، اتخذت القرار الأكثر شجاعة في حياتي؛ قررت أن أتحكم في مصيري وأعود من الصفر. واجهت مخاوفي وتقدمت لـ “شهادة السلك الإعدادي الأحرار”. وكانت تلك هي الخطوة الأولى.. تلاها التحدي الأكبر بنيل شهادة البكالوريا، ومن ثم ولوج الجامعة، ليتوج هذا المسار الشاق والجميل اليوم بنيل شهادة الماستر.
لكنني، وأنا أسرد تفاصيل هذا النجاح، أعلم يقينا أنني لم أكن لأخطو خطوة واحدة في مرحلتي الجديدة لولا “جنود الخفاء” الذين أحاطوني برعايتهم وكانوا لي عوضا جميلا:
زوجي الغالي: الذي كان لي السند الحقيقي، آمن بقدراتي عندما شككت بها، ودفعني للأمام بكل حب واحترام لطموحي.
عائلتي: التي كانت معي في كل خطوة، ودعمتني في هذا المشوار الطويل، بكثير من الحب والدعاء.
أم زوجي، حماتي الغالية: الكلمات تعجز عن إيفائها حقها، فقد كانت لي أما ثانية؛ احتضنت بناتي، ورعتهن بكل حنان وأمان في غيابي.
أهدي هذا التتويج لصغيراتي الثلاث ليعلمن أن أمهن لم تستسلم يوما، ولكل امرأة تعتقد أن ظروفها أو قطار العمر قد فاتها. الماضي يصنعنا ولكن لا يحدد نهايتنا.. والإرادة تصنع المعجزات. الحمد لله أولا وأخيرا.”