حفيظة المجول… سيرة نورٍ من القصر الكبير إلى محراب العلم”

منذ 4 ساعات
Oplus_131072

أمينة بنونة :

في مدينةٍ تُشبِهُ الدعاء حين يُتلى في الفجر، وُلدت حكايةُ امرأةٍ اختارت أن يكون نورها من كتاب الله، وأن يكون أثرها في القلوب قبل الصفحات… إنها حكاية العالِمة الفقيهة حفيظة المجول.
من القصر الكبير، المدينة التي تُنبت العلم كما تُنبت الأرض الطيبة سنابلها، خرجت طفلةٌ لم تكن تشبه باقي الصغار. كانت تمسك الحروف كما لو أنها تعرفها منذ زمنٍ بعيد، وتحفظ الآيات كأنها تستعيد ذاكرةً لا تُنسى. في الثالثة من عمرها، بدأت رحلتها مع القرآن، وفي سنوات قليلة، صار لصوتها صدىً في فضاءات الحفظ والتجويد، وهي لا تزال في بدايات العمر.
لم تكن الطريق مفروشةً باليسر، لكنها كانت مفروشةً بالإيمان. بين الكُتّاب والمدرسة، وبين متون النحو وفقه اللغة، كانت حفيظة تنسج ملامح شخصيةٍ متفردة: عقلٌ يقظ، وقلبٌ معلّق بالعلم، وروحٌ لا ترضى إلا أن تسمو. وحين انتقلت إلى تطوان لمتابعة دراستها، كانت تحمل معها شغف القصر الكبير، وتعود إليه كلما أغلقت كتابًا أو فتحت باب حلم.
تفوقت، ففُتحت لها أبواب بعيدة، حتى كادت تعبر إلى الضفة الأخرى لدراسة الطب، لكن الحياة اختارت لها مسارًا آخر… أو لعلها هي من اختارت بقلبٍ يزن الأشياء بميزان القرب لا البُعد. فآثرت البقاء، والتحقت بالمدرسة العليا للأساتذة بالرباط، لتبدأ فصلًا جديدًا من رسالتها.
درّست، فأحبتها الأقسام، وأحبها الطلبة، لأنها لم تكن تُلقّن المعرفة، بل كانت تُحييها. ثم جاء الزواج، فاختارت الأسرة، واختارت الصمت المؤقت عن المنبر، لكنها لم تغادر العلم يومًا… كان يسكنها كما تسكن الروح الجسد.
وفي طنجة، حين استقر بها المقام، عاد النداء من جديد… نداء المساجد، وحلقات الذكر، ووجوه النساء الباحثات عن نورٍ يهديهن الطريق. هناك، لم تعد حفيظة مجرد أستاذة، بل صارت مرشدة، ومربية، وصوتًا نسائيًا صادقًا في فضاء العلم الديني. درّست التجويد برواية ورش، وبسّطت العقيدة، وسردت السيرة كما لو أنها تُعيد الحياة لوقائعها.
كانت تدخل القلوب بهدوء، وتترك فيها أثرًا عميقًا. لم تكن تسعى إلى شهرة، بل إلى بركة. ولم تكن تقيس نجاحها بعدد المستمعين، بل بصدق الأثر.
تقديرًا لعطائها، كُرّمت، ونالت جوائز، واعتُرف بجهودها، لكن أعظم تكريمٍ لها كان في تلك الوجوه التي تعلّمت على يديها، وفي تلك الأرواح التي تغيّرت لأنها مرّت من دربها.
ثم… جاء الرحيل.
رحلت حفيظة المجول، كما يرحل الطيبون: بهدوءٍ يشبه حياتهم، وبأثرٍ لا يزول. لم تغادر فقط جسدًا، بل تركت خلفها سيرةً تُحكى، ونورًا يُقتدى به، وذكرًا طيبًا يردده من عرفها ومن لم يعرفها.
هي لم تكن مجرد عالِمة… كانت حكاية علمٍ حين يمتزج بالإيمان، وكانت درسًا حيًا في أن المرأة يمكن أن تكون منارةً، حتى وإن بدأت من خلف الأبواب.
رحم الله حفيظة المجول… وجعل من علمها صدقةً جارية، ومن سيرتها كتابًا مفتوحًا للأجيال.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading