المتقاعدون في المغرب… فئة تُنسى في زحمة الحوار الاجتماعي

منذ 3 ساعات

بقلم الكاتب العام لجمعية الاعمال الاجتماعية للمسنين والمتقاعدين بالقصر الكبير :عزوزي محمد

في خضمّ الحوارات الاجتماعية التي تجمع الحكومة بالمركزيات النقابية، يطفو على السطح سؤال مؤلم:
* أين موقع المتقاعدين من كل هذا؟
* ولماذا تبدو هذه الفئة، التي أفنت زهرة عمرها في خدمة الوطن، خارج دائرة الاهتمام والإنصاف؟

لا يختلف اثنان على أن المتقاعدين يشكّلون ركيزة أساسية من ركائز المجتمع. فهم من بنوا الإدارة، ودرّسوا الأجيال، وساهموا في دوران عجلة الاقتصاد. غير أن واقعهم اليوم يكشف عن مفارقة صارخة بين ما قدّموه بالأمس وما يتلقّونه اليوم من عناية واهتمام.

أولا : ما يثير الانتباه هو غياب تمثيلية حقيقيةً وليست صوريةً للمتقاعدين داخل طاولات الحوار الاجتماعي. فالمركزيات النقابية، رغم أدوارها التاريخية، إلا أنها تركّز في الغالب على الملفات الآنية للشغيلة النشيطة، مثل الأجور والترقيات وظروف العمل، بينما تبقى قضايا المتقاعدين، كتحسين المعاشات وخاصة الدونيّة منها والرعاية الصحية، والتفضيلية الاجتماعية كما هي المجتمعات الغربية في الهامش.

وهنا يبرز خلل بنيوي في آليات الحوار، حيث لا يُنظر إلى المتقاعد كفاعل اجتماعي له حقوق مستمرة، بل كملف ثانوي مؤجل.

ثانياً: يرتبط هذا الحيف بطبيعة القوانين المؤطرة لأنظمة التقاعد، والتي تجعل أي زيادة في المعاشات أو تحسين في التعويضات رهيناً بتوازنات قانونية ومالية معقدة. فالدولة غالباً ما تبرّر تحفظها بضرورة الحفاظ على استدامة الصناديق، وهو مبرر مفهوم من الناحية التقنية، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب الكرامة المعيشية للمتقاعدين، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف وأمد الحياة.

كما أن ضعف الترافع المؤسساتي لهذه الفئة يزيد من تعميق الإشكال. فالجمعيات التي تمثل المتقاعدين، رغم مجهوداتها، لا تحظى دائماً بالقوة التفاوضية الكافية لفرض ملفاتها ضمن الأولويات الوطنية. وهو ما يستدعي إعادة النظر في طرق التنظيم والتنسيق، وتوحيد الصوت من أجل كسب موقع أكثر تأثيراً.
وإلى جانب كل ذلك، برز في الآونة الأخيرة شعور متزايد لدى عدد كبير من المتقاعدين بفقدان الثقة في مخرجات الحوار الاجتماعي مع الحكومة، نتيجة تكرار الوعود دون أثر ملموس على أوضاعهم. هذا الإحساس دفع فئات واسعة منهم إلى رفع مطلب تدخل ملكي عاجل، باعتباره الضامن الأسمى لتحقيق الإنصاف وإعادة الاعتبار لهذه الشريحة. وهو مطلب يعكس، في عمقه، حجم المعاناة والانتظارات المؤجلة أكثر مما يعكس موقفاً سياسياً، إذ يبحث المتقاعد قبل كل شيء عن الكرامة والاستقرار.

ولا يمكن إغفال جانب النظرة المجتمعية، حيث يُختزل المتقاعد أحياناً في كونه خارج دائرة الإنتاج، بينما الحقيقة أنه يظل عنصراً فاعلاً بخبرته وتجربته، ويمكن أن يساهم في التأطير والمواكبة ونقل المعرفة، إذا ما أُتيحت له الفرصة.

إن إنصاف المتقاعدين ليس ترفاً اجتماعياً، بل هو واجب أخلاقي والتزام وطني. ويتطلّب ذلك إدماجهم بشكل فعلي في الحوار الاجتماعي، مراجعة منظومة المعاشات بما يضمن العدالة والكرامة، وتوسيع الاستفادة من الخدمات الاجتماعية والصحية.

وفي الختام، يبقى السؤال مطروحاً بإلحاح:
* كيف نُطَمْئِنُ الأجيال الصاعدة على مستقبلها، إذا كان مصير من سبقوها هو التهميش والنسيان؟
إن كرامة المتقاعد من كرامة الوطن، وأي إصلاح اجتماعي لا يضع هذه الفئة في صلب اهتمامه يظل إصلاحاً ناقصاً.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading