القصر الكبير في مرآة الفيضان “-سلسلة رمضانية – الحلقة 23: القصر الكبير أو حين يفيض الحنين

منذ 4 ساعات
Oplus_131072

الاستاذة : سلوى المجاهد

القصر الكبير اسم يقع على اللسان كأنه كان دائمًا هناك، مدينة لا تدّعي العظمة ولا تطلبها، هامشية بهدوء، بسيطة بكبرياء، لكنها من النوع الذي يتعلق بك ولا يتركك تمشي بعيدًا دون أن يشدّك من طرف الروح.
وأنا أتابع أخبار الفيضانات وأرى الماء يبتلع شوارعها صورةً صورة، أجد نفسي أعود إليها لا بالعقل بل بكل ما هو أعمق من العقل، أعود إلى تلك المسافة الصغيرة بين البيت ومدرسة العهد الجديد، تلك المسافة التي كانت في عيني طفلة رحلةً بكل معنى الكلمة، لأن الطفولة تأخذ كل شيء وتكبّره وتعليه وتجعله يبدو أضخم مما هو، فكانت الطرق في نظري شاسعة كأنها لا تنتهي، والأصوات تتضاعف، وكانت الحياة كلها تعتمل في كل زاوية.
وسط تلك الدنيا الكبيرة في عيني الصغيرة، كان يقف الشرطي في منتصف الطريق تحت مظلته الكبيرة. تلك المظلة التي كانت في نظري مقامًا عظيما، لا مجرد واقٍ من الشمس، يقف تحتها شامخًا كأنه ركيزة تُمسك الدنيا من أن تختل، وكنت أناديه من الرصيف ” عمّو عبد القادر” بكل ما في صوت طفلة صغيرة من جرأة وتوسّل، أناديه وأشير بيدي كأنني أوقف العالم، وكان هو لا يتأخر عليّ أبدًا، يلتفت فيراني واقفةً أمام ذلك البحر من السيارات فيمدّ يده ويوقف كل شيء وكأنني أهمّ ما في الشارع، وأعبر بخطواتي المتسارعة الصغيرة فيرتاح قلبي ويطير في آنٍ معًا.
ثم يلوح لي قوس المحلة كنقش قديم يحمل أسرار العصور، زخارفه تروي حكايات بلغة الصمت الجميل، أمر تحته كأنني أمر تحت بوابة السماء الناعسة وظلاله تبرد روحي بلذة عابرة قبل أن تعانقني الشمس من جديد، والحي حوله حديقة هادئة مرسومة بعناية الحب.
على مسافة لا تبعد كثيرًا، كانت تتراءى لي المدرسة فوق مرتفعها الصغير كأنها تعلو عن الأرض قليلًا لتراني قبل أن أراها. أعدو في اتجاهها لا تحركني الواجبات ولا يد تشدّني، بل تسبقني اللهفة. تلك اللهفة التي لا يعرفها إلا من كان له في المدرسة ما يشتاق إليه، وكان ما أشتاق إليه هو هن، بنات الفصل، تلك الجميلات اللواتي تركن في ذاكرتي عبقًا لا يشبه العطور التي تُنسى حين تغادر، بل يشبه رائحة المطر الأول على الأرض، تلك التي تنام فيك سنين ثم تصحو فجأة حين لا تتوقعها، فتجدك واقفًا في منتصف يومك وقلبك في فصل دراسي بعيد.
حين تصدّرت المدينة نشرات الأخبار لم يكن الأمر خبرًا عابرًا، بل جرحًا ينزف في الصدر.
كانت الصور تتدفق كأحلام مرعبة، وأنا أتابعها بعيون تدمع صمتًا. الماء يغمر شوارع أعرف نبضها ورائحتها وضوءها الأول، وقلبي يغوص معها في حزن أعمق من البكاء، كأنني أنا أيضًا أغرق.

كنت أفتّش في كل صورة عن قوسي، عن طرقاتي الهادئة، عن الزوايا التي عبرتها طفلةً بلا خوف.
وأتساءل، بصفعة حنين مفاجئة: أين ذهبن اللواتي أحببتهن؟
الماء يعانق الشوارع كأنه يجري في عروقها.
بيوت تغفو في صمت، أبواب تحرسها المياه بلطف قاسٍ، وأناس يُجلَون من بيوتهم، يحملون ما استطاعوا حمله من أشياء وذكريات؛ يحملون أحلامهم الخفيفة ويتركون خلفهم ثقل السنين.
وفجأة ينهض السؤال في داخلي:
هل بلغ الماء تلك الطريق الصغيرة التي كانت تقودني إلى المدرسة؟
هل لامس حجارة القوس العتيق؟
وهل ما زالت أشجار البرتقال تبتسم للصباح؟
المدن التي نسكنها في الطفولة لا تبقى مجرد أمكنة.
تصبح جزءًا منا، قطعة من القلب.
ولهذا حين تصيبها الكارثة نشعر كأن شيئًا في داخلنا هو الذي يغرق.
القصر الكبير التي أحملها في قلبي ليست المدينة التي تبتلعها المياه في الصور اليوم.
إنها تلك الطفلة التي تعبر كل صباح وأشجار البرتقال تنثر عطرها على كتفي الطريق، والشرطي يرفع يده فيمتثل الزمن، والقوس العتيق الواقف في شموخ، حجرًا فوق حجر من الذاكرة لا يتصدّع
إنها تقف في داخلي عالية مثل القوس تمامًا،
تلك المدينة لا تغرق، نحن الذين نغرق فيها حبّا.
سلوى المجاهد
مارس2026

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading