القصر الكبير في مرآة الفيضان” سلسلة رمضانية “الحلقة 22 “الماء بين أسلوبي الإغراء والتحذير “

منذ 3 ساعات
Oplus_131072

الاستاذ : عبد الجليل الوزاني التهامي
تفرقوا أيديَ سبأ …
هكذا قال التاريخ يوما، وهكذا ظن الناس أن الحكاية انتهت. لكن التاريخ لا ينتهي، بل يعيد صياغة نفسه كلما تغير ميزان الأشياء. في القصر الكبير، لم يكن الماء غريبا. كان يسقي الحقول، ينعش الوجوه المتعبة، ويجري هادئا كأنما يعرف حدوده. وكان سد وادي المخازن يقف هناك، كحارس صامت، يعد الناس بالأمان، ويعدهم بأن العطش لن يعود. لكن الماء، كالكلمات، يتغير مع السياق.
في فصل دراسي قديم، كتب مدرس اللغة العربية على سبورة :
الماءَ! الماءَ!
وسأل: هذا أسلوب إغراء أم أسلوب تحذير؟
لم يكن السؤال نحويا فحسب. بل كان سؤالا عن الحياة نفسها. حين تأخر المطر أعواما، صار الماء حلما، وكانت الأرض تتشقق ككف عجوز تنتظر صدقة من السماء. عندها، كان الماء إغراء بالحياة. لكن حين اكفهرّ الجو وتكاثفت الغيوم، وحين علا هدير الوادي، وحين خرج الماء من مجراه كأنه يستعيد حقا قديما، صار الصوت نفسه تحذيرا.
الماء لا يتغير، نحن من نضعه في موضع النعمة أو موضع النقمة. في تلك الليالي، لم يكن الخطر في الفيضان وحده، بل في لحظة الانفصال: أن ينشغل كل بيت بنفسه، أن يغلق كل باب خوفا. لكن “القصر الكبير” لم تتفرق أيديَ سبأ.
حين ارتفع الماء، ارتفعت معه الأيادي. شاب يحمل مسنة، رجل يطرق أبواب الجيران، امرأة تجمع الأطفال حولها كأنها تحيطهم بسور من دعاء. وهنا فقط تغير المعنى، لم يعد الماء لعنة، ولم يعد مجرد تحذير. صار مرآة يرى فيها الناس ضعفهم، ويرون أيضا قدرتهم على التماسك.
قال المدرس في اليوم التالي، وقد هدأت السماء:
الكلمة قد تكون إغراء أو تحذيرا، لكن الانسان هو من يمنحها وجهها الأخير. وكذلك الماء. فهو لا يريد خرابا ولا خلاصا. هو فقط يجري. ونحن، حين نتعلم كيف نجري معا، نكتشف أن الكارثة قد تكون درسا في الاتحاد، وأن الفيضان، رغم قسوته، قد يكشف عن عمق الأرض التي نقف عليها. وفي القصر الكبير، بقي السؤال معلقا في الهواء الرطب: الماء… نعمة أم امتحان؟ وربما كانت الإجابة الأبسط: هو حياة، لكن الحياة نفسها لا تأتي بلا اختبار.
لن يتفرقوا بعد اليوم يكفي التفرق الذي أصاب أهل سبأ.
ذ:عبد الجليل الوزاني التهامي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading